نعمة التوحيد والخلوص من الشرك
الحمد لله العزيز الحكيم بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله، يحكم سبحانه لا معقب لحكمه ويقضي بما شاء لا راد لقضائه واختياره وهو الولي الحميد. أشهد أن لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه بعث بالحنيفية السمحة للبشرية كافة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن أحبه واهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله بالحذر من اطلاعه سبحانه على فسادٍ في قلب أو على سوءٍ في فكرة ونيّة وبالحذر من علمه جل جلاله بعزيمة على معصية فإن ذلك من مسببات سخطه وعقابه سبحانه ومن موجبات عاقبة السوء فالله إنما ينظر للقلوب وهو سبحانه يعلم الغيب والشهادة يعلم السر وأخفى وهو تعالى برحمته وبفضله يغفر ويعفو عن كل خطأ لم تبيّت النية فيه وكل خطأ بجهل وكل خطأ أعقبه ندم وتوبة، اتقوا الله بطلب العون منه سبحانه على طاعته وعلى تحصيل مرضاته . عباد الله يقول الله جلّ في علاه { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } نعمٌ عامّة في كل الشأن حتى وإن حدث ألم جسدي أو قلبي فلابد من نعمة تنسي وتخلف بخير، وأعظم النعم نعمة أنك عزيز شريف قد فُتِّحت لك أبواب السماء تدعو بما تشاء ومتى تشاء لا تستجدي أحداً لتوصيل طلبك ولا تُرد لحين يفرغ لك من ترجو، نعمة العزة فلا تسجد إلا لخالقك ومولاك جلّ وعلا، نعمة التوحيد التي جعلتك واحدا حينما تطلب الواحد الأحد الفرد الصمد جلّ جلاله، نعمة التوحيد التي قد لا يدرك قدرها الكثير ممن يتمتع بها إلا حينما ينظر لأقوام قد خضعوا للبشر وقد حيل بينهم وبين الانفراد بربهم، قد حرموا أنفسهم بظلالهم وبظلال أئمتهم نعمة أن تصان كرامتهم فلا تدنس أجسادهم وأن ترعى أموالهم فلا تسلب منهم بحجة رضا ربهم حرموا أنفسهم نعمة أن لا يتعرضوا لما يضرهم حين مناجاتهم لمولاهم والتقرب إليه بما يرضيه عنهم. حينما تنظر إلى المشركين عباد الأوثان والقبور من الرافضة ومن البوذيين والوثنيين عامة نسأل الله لهم الهداية للصراط المستقيم والخروج من الضلالة ومن حكم الآيات والمراجع والأرباب الزائفة إلى سماحة الإسلام ويسر تعاليمه ورقي تعامله إلى هدي محمد عليه الصلاة والسلام وهدي آل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم حينما تنظر إليهم وهم يبادرون بفخر إلى مشاهد الذل ومشاهد الشرك يبادرون ببلاهة إلى مشاهد ابتذال وإيذاء وتدنيس النفس الإنسانية في بُعدٍ عن كل القيم، حينما تقرأ أو تسمع أو تشاهد ذلك فإن الألم يعصر فؤادك وأنت المسلم الذي يرجو الخير لغيره، حينما تنظر لمشاهدهم تلك تتذكر قول الله تعالى { فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ } حينما تنظر لتلك المشاهد لا تملك إلا أن ترفع أكفك لربك تحمده أن نجّاك مما وقعوا فيه، وأن منّ عليك بنعمة التوحيد التي تُعز أهلها وتعلي شأنهم وتستر عيبهم وخطأهم. نعمة التوحيد التي إن عمّت أرضا ما عمّ معها الأمن والخير، نعمة التوحيد التي إن لم يصنها أهلها أطل عليهم الشرك فاتحا الأبواب للشيطان ليحضر برجله وخيله فيفسد مظاهر العزة والكرامة الإنسانية. يقول ربنا جل في علاه { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } فأن تتنعم بنعمة تحقيق الهدف من وجودك في هذه الدنيا لهو حظ عظيم فزت به وقد حرم منه الكثير يقول الله تعالى { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } فهذه ذرية النبيين فيهم النبيون ولكن أكثرهم فاسقون غير مهتدين وقد هديت أنت بفضل الله فكن حامدا شاكرا لهذه النعمة، والنعم إنما تشكر برعايتها وبتحقيقها على أكمل وجوهها، وكمال التوحيد أن لا تجعل بينك وبين الله أحدا وأن لا تتعبد إلا بالكيفية التي شرع وبيّن لك وأن لا تبتغي بالعمل إلا وجه ربك الأعلى، كمال التوحيد أن تعلم أن كل شيء وقع هو بإرادة الله أي بإذنه وعلمه وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة المحفوفة بالخير المطلق. حينما تؤمن بهذا حق الإيمان فمهما كان القضاء سترضى رضا ليس معه ولا بعده كدر ولا نكد. يقول الله جلّ وعلا { أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } لنا وعود عند ربنا نحن ملاقوها إن صدّقنا بها وصدقنا في طلبها فسننعم بنعيم لا يحظى به إلا القلة .
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه والشكر له سبحانه على سابغ فضله وإحسانه وعميم عطائه وهباته والصلاة والسلام على من بعث هاديا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا محمد بن عبدالله عبد الله ورسوله وصفيه وخليله وعلى آله وصحبه والتابعين له إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فإليكم بعضا مما وعد به الله تعالى عباده المؤمنين يقول سبحانه { وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } وعد الله تعالى عباده فقال سبحانه { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ () وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } وعد الله المؤمنين اللقاء بأحبتهم والاجتماع بهم في غايةٍ من التكريم والتعظيم { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ } وفي الدنيا لهم وعد عند ربهم { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وعد الله تعالى عباده أن مع كل عسرٍ يسرا وأن اليسرَ غالبٌ للعسرِ مهما اشتد وتمكّن، وعد الله عباده في هذه الدنيا {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً () يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً () وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } الجميل المطمئن أن هذه وعود من لا مكره له ولا يعجزه شيء ولا تنقص تلك الوعود والعطايا من ملكه شيء { وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً } وفرق بين وعود جعلها الله حقا عليه وبين وعود نسبت لموتى أو لأصنام تبنى لا تملك من أمرها شيئا، ولكي لا تخسر عبدالله هذه الوعود الربانية يقول جلّ جلاله { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ } عباد الله ما أجمل وعود الله وما أجمل الطمع فيها وأجمل الجمال في ذلك الإيمان بها والعمل لكسبها وتمني فوز الآخرين بها، فلنصبر ولنصابر ولنصبّر أحبتنا على التمسك بالإيمان بهذه الوعود والثبات عليها فيوما ما سنسمع هذا النداء { وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } اللهم ربنا إننا لا نشرك بك شيئا ونرجو لقاءك ربنا فأعنا اللهم على عمل صالح يرضيك عنا ويكون سببا لفوزنا برضاك علينا وبما وعدت به عبادك الصالحين. عباد الله وإنما مما أمرنا به الله ووعدنا عليه الخير الكثير الصلاة على سيدنا وإمامنا عبده ورسوله محمد بقوله { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً }
تعليقات
إرسال تعليق