أزح الهمّ تسعد وتُسعد وتسلم

عباد الله في قصة رواها الإمام مسلم وغيره أنقلها بتصرف واختصار مفادها: 
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته ذات ليلة وفي أثناء عودتهم من خيبر، وكانوا مجهدين عطشى يترقبون مكانا يجدون فيه ماء فاجأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: إنكم ستسيرون عشيتكم وليلتكم هذه وتجدون الماء غدا، إي لن تجدوا ماء إلا بعد مسيرة ليلة كاملة، فانطلق الناس سراعا كل ليلهم نحو ما وُعِدوا به من مصدر ماء، يقول أبو قتادة راوي الحديث:
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حتى إبهار الليل أي منتصفه وأنا إلى جنبه قال فنعس فمال عن راحلته فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته قال ثم سار حتى تهور الليل أي دخل الليل في الثلث الأخير منه مال عن راحلته قال فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته قال ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأوليين حتى كاد ينجفل فأتيته فدعمته فرفع رأسه فقال من هذا؟ قلت أبو قتادة. قال متى كان هذا مسيرك منى؟ قلت ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال حفظك الله بما حفظت به نبيه.
فأمرهم بالنزول قال ثم وقعنا وقعة ولا وقعة عند المسافر أحلى منها، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ثم قال: من يحرسنا ليلتنا ويحفظ علينا صلاتنا؟ فاستعد بلال رضي الله عنه بذلك فلما سكن القوم، استند على ظهر ناقته فما لبث أن لحق بهم ونام، فلم يستيقظوا إلا من حرارة الشمس فقال عليه الصلاة والسلام لبلال: ألم أوصك ؟ قال يا رسول الله أخدني ما أخذكم من التعب وغلبة النوم. 
فبدأ الناس يتحدثون عن فوات الصلاة وما هي يا ترى عقوبتهم؟ ويلومون أنفسهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أليس لكم فيّ اسوة حسنة؟ من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فسكتوا ولكن أنفسهم بقيت مضطربة تلوم وتؤنب، فأمرهم عليه الصلاة والسلام بشدّ الرِحال والتحرك قائلاً إنه مكان حضرنا فيه الشيطان، فلما ساروا وقتاً طويلاً وزادت حرارةُ الشمسِ أمرهم فنزلوا وأمر بلالاً فأذّن بالصلاة فتوضئوا- وللوضوء قصة جميلة تتحدث عن معجزة نبوية- ثم صلوا. الحديث.... أ. هـ
وقد استدل الفقهاء بهذا الحديث على عفو الله عمن فاتته الصلاة بغير تفريط منه، وعلى أهمية تغيير المكان الذي نام فيه المرء عن الصلاة فيُفضّل أن يصلي في غرفة أخرى أو مكان آخر، وأن ينادى للصلاة الفائتة، و
كذلك رأوا مدى أهمية حماية الناس من الهمّ حتى لا يؤثر على مصالحهم فلو كان المراد مجرد تغيير المكان لكان الخروج من الوادي كافيا ولكن ثمة مراد آخر من إطالة المشي وتأخير الصلاة أكثر بالرغم من وجوب قضاء الفائتة على الفور ألا وهو إزاحة ما بأنفسهم من همّ كي تسلم صلاتهم من تفكيرهم في الموقف الذي حدث. 
وهكذا فكل مسئول لا يمكن أن يمنع الناس من الحديث ولكنه إن أحبهم حماهم منه بإشغالهم بأمر ما ولو كان شاقا حتى وإن كان فيه مزيد تأخير للصلاة عن وقتها، أو أشغلهم بأمر آخر مستغربا في مثل ذلك الموقف كما في قول الله تعالى { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ } 
فهنا نجد إزاحة من الله تعالى للهمّ والغمّ عن المؤمنين وحمايتهم من مقالة السوء وتخفيفا لهم عن تأنيب النفس واتهامها بالتقصير وذلك بالنعاس في وقت يستغرب فيه النعاس جراء ما حصل، خلافا لغيرهم ممن أهمتهم أنفسهم في تفكير وتصور للغد المظلم فباتوا في أسوء حال وأصبحوا في أسوء منه نتيجة أنهم ظنوا في الله ظن الجاهلية أي حسبوا الأمور حسبة مادية بحتة وفق عقولهم القاصرة متناسين الله وقدرته على التغيير من حال إلى حال أفضل من حيث لا يحتسب الناس. فالله أحب المؤمنين الصادقين فأزاح الهمّ عنهم وترك ضعاف النفوس لأنفسهم ووكلهم إلى ضعفهم. 

في هذه الأيام تكثر الأحاديث حول الحروب القائمة وأخرى متخوف أنها قادمة وعن أوضاع اقتصادية مظلمة وعن سياسات حكومية يراها البعض مستغربة يتخوفون الحاضر والمستقبل ينتقدون إجراءات اقتصادية لم يصرح بالدافع لها، ولست لأطالب بالكف عن الحديث فيما يُخافُ منه ولا استغرب التذمر من بعض ما يحدث فتلك طبيعة النفس البشرية ولكن كما اعتنى الله تعالى بعباده فحماهم من الغمّ الذي يجلبونه لأنفسهم بالتذمر والتلاوم وكما اعتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزاحة همّ وقلق في نفوس أصحابه نتيجة خطأ وقعوا فيه، فأدعوا لحماية النفس أولا ثم من نحب من الهمّ. 
فإن كان ولابد من الحديث والتذمر فليكن مع من يمكنه التخفيف من الأثر النفسي عليك لا مع من يزيده اشتعالا وإشغالا، وتعرف ذلك بعد حديثك معه فإن خرجت منه بسكينةٍ وحلٍّ فالزمه فنعم الصاحب هو، وأما إن زاد توترك وخوفك وعقّد الأمور لديك فاجتنبه فلا خير فيه، 
وكذلك أدعو لحماية من لزم بيته أو فراشه نتيجة مرض أو كبر سن خاصة الوالدين وذوي القربى والمرضى عموماً فحينما تزوره فإنه في حاجة منك لبسمة تزرعها في نفسه ولتفاؤل تمنحه إياه كي تصفو له نفسه فيزداد تعلقا بالله وقربا منه ذكرا ودعاء، فتكسب أجره وتكسب دعاءه لك وتأخذ أجر عمل عمله بعد إعانتك له بحديثك الطيب، أما التذمر عنده والتشكي فإنك إن تغادره نحو رفقة تمازحهم أو صبية وغيرهم تلاعبهم مما ينسيك ما تحدثت به فإن ذلك الذي زرته فأنزلت به تذمرك وهمّك وتخوفك سيبقى أسيراً للتفكير والقلق الموجع الذي يزيده ألما وإعاقة وسيسبب له إشغالا عن طاعة ربه بسبب ما أنزلته به فعققته إن كان والدا وعققت والدك إن كان ذو رحم أو صديقا له، وأفسدت على نفسك أجر زيارتك له إن كان مريضا.
وكذلك لا يقل التذمر عند العاجز لكبر سنه أو مرضه سوءا عن التذمر عند فتية يتطلعون وأهليهم لحياة مستقبلية أفضل فتحبطهم وتحطّم آمالهم وتحولهم لأعداء لأنفسهم ولوالديهم ولمجتمعهم.
ولنتذكر دوما حين كل خبر نسمعه أن القول الطيب سمة الطيبين وأن القول السديد الكريم سبب لصلاح الحال وأن الصمت أحيانا علامة على الإيمان بالله واليوم الآخر والعكس بالعكس فلا يغلبننا الشيطان. لنكن عونا لبعضنا على طاعة ربنا ولنكن رحماء بأنفسنا وببعضنا تحل رحمة ربنا بنا ويرزقنا من حيث لا نحتسب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل