خطبة الجمعة التقوى ما هي؟ وما هي ثمارها؟ وما أدوات اختبارها ؟

الحمد لله الملك العلي العظيم الجليل الكريم رب السموات والأرض وما بينهما أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه إمام أنبيائه ورسله صاحب الشفاعة العظمى وصاحب الحوض العظيم المبعوث رحمة وبشارة وسراجا منيرا للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا 
وبعد عباد الله فأوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته يقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } 
قال الشيخ عبدالعزيز بن باز عن التقوى : كل من تدبر موارد التقوى في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، علم أنها سبب كل خير في الدنيا والآخرة. فأنت يا عبد الله إذا قرأت كتاب ربك من أوله إلى آخره تجد التقوى رأس كل خير، ومفتاح كل خير، وسبب كل خير في الدنيا والآخرة، وإنما تأتي المصائب والبلايا والمحن والعقوبات بسبب الإهمال أو الإخلال بالتقوى وإضاعتها، أو إضاعة جزء منها، فالتقوى هي سبب السعادة والنجاة، وتفريج الكروب، والعز والنصر في الدنيا والآخرة. أ هـ رحمه الله. 
وعد جلّ وعلا عباده المتقين بأمور عدة منها أنه جلّ جلاله قضى على نفسه المقدسة وعدا وعهدا بأن رحمته حقا عليه لهم أي للعباد المتقين الذين يخافون عذابه ويرجون رحمته، وعد جلّ وعلا المتقين بأن يجعل للمتقين من كل ضيق وهمّ مخرجا وأن يرزقهم بما يفرج عنهم من حيث لا يحتسبون وأن يجعلهم في هناءة وراحة ولو قست الحياة واشتدت أسبابها، وعدهم أن يعظم الأجر لهم ما دامت التقوى ملازمة لهم في كل أحوالهم. 
يقول جلّ وعلا { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً () وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً } ويقول سبحانه { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً () ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } 
التقوى هي خير زاد يتزود به العبد وهي خير لباس يتلبس به العبد وبحسب قوتها تكن درجة قبول العمل، فما هي التقوى يا ترى؟ 
ليست التقوى في مظهرٍ ولا في منطقٍ حالَ الرخاء ولا في امتناعٍ عن محرم حال بُعدِه والمنع منه، بل في جوهرٍ يحكم النفس في كل أحوالها ويضبط شهواتها وأمنياتها وانفعالاتها وسرورها وانبساطها. 
التقوى هي إحساس قلبي يدفع بالعبد لبناء حاجز يحول بينه وبين ما يسبب سخط ربه، 
قال الإمام الثوري: إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى، أي ما اعتاد الناس التساهل فيه للاختلاف في تحريمه أو تساهلوا فيه لأنه ليس بمحرم ولكنه يُسهّلُ القربَ من المحرم فالمتقي هو من يتقي مثل هذا. 
وهنا عملين أو شيئين يُتقى الله فيهما ليس ثمة تقوى إن لم يتقى فيهما، إن قويت التقوى فيهما قويت في كل شيء بعدهما وإن ضعفت فيهما لم تقم في غيرهما. 
أولهما الصلاة وتكن التقوى فيها ابتداء في الانصات للنداء والتجاوب معه ثم في العناية بالوضوء واستكمال فرائضه وسننه ثم في السعي إليها سعيا لأدائها حيث ينادى بها حرصا على جماعتها، والسعي بهدوء وعدم تثاقل، ويساعد على استحضار التقوى فيها تخيل الخطى وهي تسهم في حطّ الذنوب ورفعة الدرجات واستغلال لحظات السير في الذِكرِ يعني على ذلك، 
وإن تيسر وقتٌ لانتظار الصلاة فخيرٌ على خير فالمنتظر الصلاة في حالٍ كما المصلي، 
وهنا تتأكد التقوى أكثر تعظيما لموقف المنتظر وتعظيما لمكان الانتظار وذلك بالبعد عن حدث السوء غيبة أو سخرية أو متابعة للداخلين والجالسين، أو انشغالا ببرامج التواصل كالواتس أب والتويتر ونحوها والتي يحق للشيطان الفرح بها وتلقي التهاني بسببها حيث آثرها البعض على تصفح وتلاوة كتاب الله وعلى ذكره ومسألته جلّ في علاه في أفضل وقت وأشرف مكان. 
جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قوله: إن الرجل إذا دخل في صلاته أقبل الله عليه بوجهه فلا ينصرف عنه حتى ينقلب أو يحدث حدث سوء. 
فاحذر عبدالله أن تفسد على نفسك غنيمة البقاء في المسجد سواء أقيمت الصلاة أو لازلت تنتظر أو كنت في لحظات أذكار الصلاة بعد السلام فإنها غنيمة إذ الملك جل جلاله ينظر إليك ويستمع إليك إعجابا بموقفك ورضا بصنيعك فلا تجعله ينصرف عنك مولياً معرضا عنك بسبب سوء أدبك معه جلّ جلاله. ثم يتقي الله المصلي في صلاته بمجاهدة نفسه في إحضار فكره وفؤاده تعظيما لموقفه وانتباها لكلماته وانتقاء لدعواته فيها يقول  سبحانه وتعالى { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }
الحمد لله المتعالي بعظمته ومجده المتوحد في ملكه وفي قضائه وحكمه الغني الكريم البر الرحيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وإماما للمتقين وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا 
وبعد عباد الله فاتقوا الله في صلاتكم فإنها عماد حياتكم في الدنيا وفي الآخرة. 
وأما الأمر الثاني الذي يتقى الله فيه: فهو المال، فالمال مقياس دقيق للتقوى وخصوصا إذا سهل الحصول عليه من غير وجه حق، كالمرابي ومستغل حاجة الناس أو جهلهم لرفع الأسعار أو تسويق المغشوش، ومن لا يراعي إيفاء المشتري كامل حقه، وكالمفرط في وقت عمله أو في أداء مهامه حين فقد الرقيب أو تسامحه وتساهله. فقد قال تعالى { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ () الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ () وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ () أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ()لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ()يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  } 
وهنا المصيبة أن المفرّط في التقوى قد لا يؤاخذ في دنياه وقد تزين أموره ويرضا عنه من حوله لجميل أظهره لهم ولكن هناك في ذلك اليوم العظيم قد يكون الندم موجعا ولكنه غير نافع. 
وإن كثرة الدعاء وقلة الإجابة لموحية بخطر انتشار المال الحرام بين الناس فالمال الحرام سبب قفل باب السماء عن الدعاء وسبب محق البركة في ما يباع ويشترى وسبب ردّ الأعمال الصالحة وعدم قبولها، ذلك أن الله طيّب لا يقبل إلا طيبا ولا يستمع لدعاء من لم يُطب بناء جسده يقول صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن الله طيّب لا يقبل إلا طيبّا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  } وقال { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟  مسلم. ولا ننسى وصية نبينا عله الصلاة والسلام لمن طلب أن يكون مستجاب الدعوة حيث قال له: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة. 
عباد الله حينما نعتني بالتقوى في صلاتنا وفي مكاسبنا فستكون التقوى سهلة علينا في سائر أمورنا وحينها ستكون حياتنا سعيدة وإن قلّ المال وستكون أرواحنا مطمئنة وإن كثر الابتلاء، حينما نتقي الله سيكون الله معنا وسيرضى عنا وسيرضينا وحينها لا خوف علينا ولا حزن ينزل بنا، حينما نتقي الله سنتمايز عن كثير ممن أصابهم الهمّ والغمّ والسقم نتيجة خسرانهم مالاً حسبوه وحبسوه أو حبيباً كان بقربهم ففارقهم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل