خطبة الجمعة قبل يوم عرفة ويوم النحر
الحمد لله الملك العزيز الحكيم الودود ذي العرش المجيد واسع الرحمة والفضل والعطاء البر الرحيم الغني الكريم أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأشهد ان محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله الذي مدح نفسه المقدسة بقوله جلّ وعلا { تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً () وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } يدرك من يُعظّم الله أن هذه الأيام والليالي المتعاقبة وأن هذه المواسم الفاضلة المتتالية ما هي إلا نعمة لمن أراد أن يحيي قلبه وأن يُعظّم ربه وأن يشكر خالقه جلّ جلاله على نعمه والتي أبرزها استمرار حياته حتى بلوغه هذه المواسم وقدرته على العمل فيها كسبا لها وحيازة لخيراتها وللخروج منها بأمل في حياة باسمة هانئة مطمئنة في الدنيا وفي الآخرة. عشر ذي الحجة أيام معدودة لولا شرفها وعظيم ما أُعِدّ للمؤمنين فيها لما أقسم الله تعالى بها.
عشر ذي الحجة هي أيام النسك التي قال عنها جل وعلا { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } فأبشروا بفضل الله عباد الله وبشّروا به، هو النسك الذي قال عنه تبارك وتعالى { لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ }
عباد الله لئن كانت ليلة القدر هي تاج ليالي السنة وزينتها فإن في هذه العشر أياماً ثلاثة هي تاج أيام السنة وزينتها يوم عرفة ويوم النحر ويوم القر. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ. أبو داود وأحمد والنسائي وصححه الألباني.
وأما يوم عرفة فالحديث عنه حديث ذو شجون لا يسأم المسلم من الحديث عنه وصفاً لشعائره أو تعداداً لفضائله أو تعبيراً عن مشاعر العباد في لحظاته أو نقلاً لما يبديه جلّ وعلا لملائكته من الرضا والقبول لعباده في نهايته، بل يعجز القلم كتباً واللسان نطقاً حين الحديث عن تباهي الله جلّ في علاه بعباده الذين وفدوا إليه من كل مكان يمتثلون أمره ويستجيبون نداء خليله ويقتدون بخليليه إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام يرجون رحمته ويخشون عذابه. عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي مَلاَئِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا.أحمد وابن حبان وصححه الألباني. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادُوا هَؤُلاَءِ ؟. مسلم والحاكم.
فالحق عبدالله بأولئك القوم ذلك اليوم فإن المباهاة والعتق والرضا والقبول يشمل جميع من تقرب صادقاً خالصاً متبعاً حاجاً وغيره، الحق بهم من خلال صلتك بالله تعالى صياماً ولجوءً ودعاءً فلعل الله أن ينظر إليك مثل نظرته لهم فتفوز كما فازوا، صم يوم عرفة فإن فيه صيامه أجراً عظيماً يقول صلى الله عليه وسلم: وَصِيَامُ عَرَفَةَ إِنِّى أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ } مسلم.
في يوم عرفة لا يفوتك فضل الله فإن فيه لله تعالى تفضلا لا يُحد، عن بلال بن رباح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة جمع: يا بلال أسكت الناس ثم قال: إن الله تَطَوّل عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم وأعطى محسنكم ما سأل ادفعوا باسم الله } ابن ماجة وصححه الألباني
عنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ } مالك. في يوم عرفة اعتن بأفضل الدعاء، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ }
عباد الله إذا صلينا الفجر يوم عرفة فإنه تكون قد ابتدأت سنة التكبير المرتبط بالفرائض التكبير المقيد فنبدأ بالتكبير والتحميد والتهليل بعد الاستغفار ثلاثا وبعد قول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، نبدأ نكبر، ونظلّ نكبر بعد كل فريضة حتى نهاية أيام التشريق بالإضافة للتكبير المستمر في كل وقت، نكسبُ بهذا التكبير إعلان التوحيد ونشر السنة وكسب الأجر وغرس الأشجار لنا في جنات عدن، ونكسبُ ذكر الله لنا ومعيته لنا ومباهاته بنا وحفظه لنا وكفى بهذا فخراً لنا وباعثاً للطمأنينة في قلوبنا. عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ رَجُلٌ فِي الْقَوْمِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنِ الْقَائِلُ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ} الترمذي والنسائي وصححه الألباني
وبعد عباد الله وبعد عرفة يأتينا اليوم العظيم يوم النحر اليوم الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم موازيا لعظمة دم المسلم وحرمته حينما قال لأصحابه في حجة الوداع : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ. البخاري.
يوم عظيم يوازي عظمة الدماء المحرمة والأموال المحرمة والأعراض المحرمة فلنقدّر لهذه العظمة عظمتها ومكانتها وأهميتها، ويبدأ التعظيم لهذا اليوم العظيم من خلال أداء صلاة العيدِ رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ. البخاري. وهل يدعى الجميع بهذا الشكل لشهود صلاة العيد لولا فضل وبركة لا تُفَوّت فعظّموا عباد الله ما عظّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة، فلا تفوّتوا على أنفسكم ولا على أسركم صغيرهم وكبيرهم صلاة العيد وتكبيرات المصلين ودعاءهم حتى الحيّض يحضرن ويبقين في السيارة يشاركن في الدعاء والتكبير لتشملهن البركة والرحمة المتنزلة على المصلين.
وإن من البلاء عباد الله أن البعض قد جعل من همّ الأضحية سببا لتفويت هذه البركة فإما ترك صلاة العيد استعدادا ومسابقة للنحر أو انصرف قبل انتهاء الخطيب فيفوته خير عظيم بسبب هذا الهمّ العجيب. إن الأضحية عباد الله عبادة وهي متعة وهي اجتماع لطيف للأسرة فلا تكن همّا يضيّع العبادة ولا تكن همّا يهدّ الجسد ويتعبه.
هي عبادة نتذكر بها الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل وزوجته هاجر عليهم السلام ويتذكر كيف أن ذلك الدم يقع عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، ونتذكر بها أحبةً لنا فارقونا فنذكرهم بإشراكهم في أضحيتنا، نتقرب إلى الله بهذه الأضحية والقربة لا تكون سببا لتفويت الصلاة وبركة حضورها.
تذكروا عباد الله أن الله تعالى يُعظّم هذه الأيام ويُعظّمُ كذلك كل قلبٍ أقبلَ فرِحاً راغباً ويبادل سبحانه تلك الرغبةِ والفرحةِ من عبده رغبةً وفرحاً منه سبحانه ويقابل ذلك الإقبال من عبده إقبالا أكبر واسرع فأقبلوا على الله بفرح وبرغبة وبحسن ظن تفلحوا وتفرحوا برب يبادلكم الحبّ والاقتراب ويزيدكم منه فضلا بقبولكم وقبول ما قدمتم وما سألتم.
تعليقات
إرسال تعليق