خطبة الجمعة بداية العام 1438 هـ
الحمد لله جعل الليل والنهار خلفة يخلفان بعضهما عبرة ودعوة لمن أراد أن يذّكر في الدنيا وسرعة ترحلها وتبدلها وإقبالها وانصرافها أو أراد شكورا لخالقه وتزودا لآخرته وكسبا لرضا مولاه وخالقه أشهد ان لا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله نبي الرحمة وإمام الهدى وسيد الورى نبينا وإمامنا وسيدنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا
وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه فإنه سبحانه قريب مطّلع لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه شاردة ولا واردة أحصى كل شيء علما وأثبت كل قول وعمل كتبا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
عباد الله يقول الله تعالى { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } اثنى عشر شهرا مرت فهل وقينا فيهن أنفسنا من ظلم أنفسنا؟ وهل نحن راضون عما قدمنا؟ وهل يا ترى ستكون الأشهر القادمة خيرا من الراحلة؟ مضى عام وأقبل آخر ليزداد البعد الزمني بيننا وبين هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام من مكة هاربا بدينه من أذى وحرب وصدّ المشركين آويا لمدينة طيبة أمن فيها على صحابته ومنها نشر دينه.
بعد وفاته عليه الصلاة والسلام بعدة سنوات وفي عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه اتفقت الأمة على اعتبار سنة الهجرة النبوية بداية للتأريخ الإسلامي واتفقوا على أن يكون شهر محرم بداية للسنة الهجرية. ومن هنا ندرك أن تحديد بداية العام ليس تشريعا نبويا ولا يحوي دلالة معينة سوى رصدٍ للزمن { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }
في هذه الأيام من كل عام تكثر مقولة وطوينا صفحة من أعمارنا وهي مقولة خاطئة فصفحات العمر لا تطوى في هذا التاريخ وإنما تطوى صفحات العمر مع رفع سجل العمل وطيه، حينما تعرض الأعمال على الله في شهر شعبان وحينما تعرض كل اثنين وخميس وتطوى كل يوم مرتين حينما تغادرنا ملائكة الليل والنهار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ فَيَقُولُ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ} متفق عليه. فالملائكة لا تتركك وربك حبا لك وشفقة عليك يسأل عنك، وأنت من يعطيهم الإجابة التي تحب أو تمنعها عنهم، ولقد استحبت طائفة من أهل العلم أن يقول المسلم عند ذلك التعاقب للملائكة ما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ. فما أجمل أن تودعك ملائكة ربك وأنت في خير عمل وخير قول، صلاة وذكر ترضي بهما ربك حينما يسأل عنك وترفع بهما درجتك وتنقي بهما سجل عملك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ وَقَالَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ. متفق عليه.
صفحات العمر هي صفحات سجل العمل وأما الزمن الذي مرّ فلا يعدو لحظات تتغير وتتبدل فيها الأحوال والمشاعر والآمال وتكثر فيها صفحات سجل الأعمال، وخيركم من طال عمره وحسن عمله. عباد الله كل يوم تطوى صفحته سلمنا فيه من شرَك الشيطان وشبهه فإنه غنيمة يجب ان نحمد الله عليها عن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلاَ تَتَعَرَّجُوا - وفي رواية لا تعوجوا - وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لاَ تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الإِسْلاَمُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ، وَالأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ : كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنِ فَوْقَ الصِّرَاطِ : وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ } أحمد والنسائي وابن حبان وصححه الألباني
فلنكن عباد الله عونا لبعضنا على تقوى الله وعونا على حفظ أنفسنا من أن تطوى صفحة ونحن لم نعمرها بما يسعدنا في دنيانا وأخرانا ولنكثر الدعاء لربنا بأن يزكي أنفسنا ويؤتها تقواها وأن يثبتنا على دينه وأن يغفر لنا ولوالدينا
الحمد لله رب العالمين الملك البر الرحيم خالق كل شيء ومليكه هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وسراجا منيرا للسائرين نحو جنان ورضا رب العالمين وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله علينا مهما كانت الأخبار موجعة أن نستفتح صباحنا كل يوم بفأل حسن وبحسن ظن لربنا جل وعلا وهكذا علينا أن نستفتح عامنا الهجري الجديد حتى وإن كانت مآسي أمتنا تجدد وتتعاظم حتى وإن كانت الحياة مليئة بحروب طاحنة وفتن مروّعة حتى وإن تزايدت التهديدات الغربية حتى وإن كشرت الضباع الخسيسة هنا وهناك عن أنيابها حقدا على هذا الدين وأهله حتى وإن كانت الأخبار الاقتصادية مقلقة علينا أن نتفاءل ونحسن الظن بربنا ، أقول لكل وجِل على مستقبله وعلى أمته لكل وجِلٌ على وطنه أقول فما ظنكم برب العالمين ؟ أي شيء تظنون ربكم فاعلٌ بكم ؟
سؤال يجيب عنه كلٌ منا بنفسه وبحسب ظنه بربه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً} متفق عليه. هو ربنا جلّ وعلا بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله وهو يقول لنا جلّ جلاله أنا معكم وفاعل بكم كما تظنون أني فاعل بكم، أبادركم واسرع إليكم بما تحبون بحسب مبادرتكم وسرعتكم إليّ، وبقضائه وقدره جلّ وعلا لن تكون الحياة صفواً لا كدر فيها لابد من ابتلاء ليتبين الصادق من الكاذب والصابر من الجازع { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ () الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ () أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }
كلما سمعت خبرا مرجفا أو قرارا موجعا أو نزلت بك نازلة مؤلمة فقل إنا لله وإنا إليه راجعون حينها أبشر فلك حق على الله بمنح ثلاث كلها خير وكلها عاقبتها خير وكلها مما ننشده ونسعى إليه،
أولها: صلوات من الله عليك أي سكينة وثناء وعفو وبركة وتشريف لك في الدنيا والاخرة.
وثانيها: رحمة من الله تجعل هذا الحدث فرجا ويسرا وخيرا من حيث لا تحتسب
وثالثها: هداية لا ضلال بعدها.
فالزم الصراط المستقيم واعمر قلبك بواعظ الله في النفوس ألا وهو القرآن الكريم وتجنب في يومك وليلتك تلك الأبواب المفتحة ذات الستور المرخاة المتيسرة عبر برامج التواصل وقنوات البثّ لكل طالب لها أعني صفحات ومواقع الحرام قولا ومشاهدة .
تعليقات
إرسال تعليق