خطبة بداية العام الهجري 1437
الحمد لله قضى بالحق وقدّر لكل شيء قدره فأحكمه خلق الموت والحياة فجعلهما بيده أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد الأولين والآخرين وإمام المتقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه، إن جركم ضعف نفس لمعصية فبادروا بسحب أنفسكم إلى الطاعة باستغفار وتوبة، فلقد كان نبيكم وحبيبكم صفوة الخلق الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر في اليوم أكثر من مائة مرة بل يُعد له في المجلس الواحد أكثر من سبعين استغفارا كل ذلك مخافة الزلة ومخافة بقاء الخطيئة بلا إزالة . عباد الله خرجنا للدنيا صغارا لا نعي منها شيئا سوى متعة بأكل أو شرب أو لهو فكبرنا ومن أصحابنا من تركنا إلى الدار الآخرة ومنهم من بقي، نكبر وتزداد تطلعاتنا لرفاهية أكثر نسينا رفقتنا الذين فارقونا ونسينا أهداف الصغار التي عشناها نكبر وتكبر مسئولياتنا واهتماماتنا وتتنوع وأصبح مستقبل الأسرة هدف لنا بالإضافة لأهدافنا التي لم تتوقف، نشاهد الراحلين يرتحلون بشتى الأسباب ونحن ماضون في طريقنا مؤمنون برحيلنا مؤملين الوصول لأهدافنا لم نحسب حسابا للحظة المغادرة، بل لم نحسب أن بعض من نسعى لتأمين مستقبلهم يفكرون في حالهم بعد رحيلنا ونحن الذين يشغلنا تفكيرنا لأجلهم ، وهذه سنة الحياة لا يعقلها إلا من قرأ عنها وشاهد أحوال أهلها. بدأت سنة جديدة ومع كل بداية تجدد رسالة الحياة في بناء الحياة الشخصية وحياة من نحب. سجلات الأعمال التي تعبئها الملائكة الكرام لها مواعيد محددة تغلق فيها وتفتح، تغلق سجلات الأعمال كل يوم بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر وتعرض هذه السجلات على الرب جل وعلا كل اثنين وخميس ليقر ما شاء وليمحو ما يشاء وفي شهر شعبان من كل عام تعرض على الله أعمال العام كله، ومهما أغلق السجل وغُلّف فإن توبة صادقة تفتحه وتمحو سائر ما كتب فيه من خطايا بل تبدل ما كتب من سيئات إلى حسنات فحمدا لك اللهم رحمتك الواسعة ومغفرتك السابغة وفضلك الدائم. عباد الله سنرتحل يوما ما فلنحمد الله إن خلفنا سيرة طيبة وذرية نرجو صلاحها وصدقة جارية تلحقنا غلتها في قبورنا ولنسال الله ما يقربنا إليه ويحلل علينا رضاه ولنستعن بالله لتغيير ما نخشى ونشك أنه سيجلب لنا حسرة ونحن ننتظر في قبورنا أو ونحن بين يدي ربنا فإن القدرة على العمل اليوم جلبا للحسنات ومحوا للسيئات قد تتعذر غدا لأي سبب. حياتنا هذه رحلة لها طريقها المرسوم وفي الطريق تحويلات عديدة على مداخلها لوحات إعلانية جذابة ومعلنون ومعلنات بأصوات مغرية وعبارات خداعة يغرون النفوس المؤمنة الضعيفة والقوية بالدخول لتلك التحويلات لعلهم أن لا يخرجوا منها ولكن الله لم يترك عباده بيد أعدائه، عن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلاَ تَتَعَرَّجُوا - وفي رواية لا تعوجوا - وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لاَ تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الإِسْلاَمُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ، وَالأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ : كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنِ فَوْقَ الصِّرَاطِ : وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ } أحمد والنسائي وابن حبان وصححه الألباني بل ألم تسمع لقول الله عز وجل ((وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )) ويفهم من دعوة الله لدار السلام أن هناك من يدعو لدار الشقاء ويسعى لإغرائك بالانحراف عن مسارك ليسعدوا بإعاقتك عن هدفك وبشقائك، وقد يختبر الله إيمانك بتيسر وصولك لما حرم عليك لأن الصدق في الإيمان هو أن تمتنع أنت لا أن تُمنع ويحال بينك وبين المعصية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } والاعتداء هو الوقوع في الذنب والبقاء في أسره، وواعظ الله في قلب كل مسلم هو ما يسمى بالوازع الديني أو الضمير بل هي النفس اللوامة التي اقسم الله تعالى بها لشرفها لا تزال تؤنب المؤمن على خطئه حتى يقلع ويتوب قبل فوات الفرصة عليه اللهم ثبتنا بقولك الثابت وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه أحمده سبحانه وأشكره وأصلي على رحمته المهداة ونعمته المسداة محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن واله وبعد عباد الله فها قد أطل شهر محرم سماه النبي صلى الله عليه وسلم بشهر الله المحرم، شهر نسب لله عز وجل تشريفا له وتعظيما ، وإن من توفيق الله تعالى لهذه الأمة أن هداهم لاختيار شهر ذي الحجة نهاية للعام وشهر محرم لبدايته وكلاهما أشهر حرم ليتذكر الناس بذلك أن بعضهم على بعض حرام أموالهم ودمائهم وأعراضهم إلا في حدود ما أحل الله لهم ، شهر الله المحرم قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل} مسلم ولقد كانت عادة السلف من الصحابة ومن بعدهم تعظيم العشر الأخيرة من رمضان والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأول من محرم فأفضل أيام شهر الله المحرم هذه العشر الأول وفيها يأتي يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي يمثل انتصار العقيدة الصافية على الكفر بجبروت أهله وعظيم سلطانهم، يوم عاشوراء يوم يشهد بأن مرضى القلوب الذين خالط الشرك قلوبهم أنهم قوم عبء على الصافية قلوبهم وقد يكونون سبب كارثة تحل بالموحدين الصادقين إذا غلبوا فأظهروا شركهم قولا أو عملا، يوم عاشوراء يتكرر كل عام لنشكر الله فيه أن نصر دينه ونبيه وأن أظهر عباده الموحدين على أعدائهم، نشكر الله بصيام يوم عاشوراء ويشكر الله صيامنا ويكافئنا بثواب لا يعلم حده إلا هو سبحانه فتقدير أجر الصائم له وحده سبحانه ويزيد من فضله فيجعل هذا الصيام مكفرا لآثام السنة الماضية وطوبي لمن جمع لنفسه أياما مكفرات تحاج له يوم القيامة ويشرق وجهه بالقراءة عنها حينما يفتح سجل أعماله . عباد الله وفق ما أعلنته المحكمة العامة فإن يوم عاشوراء سيكون يوم السبت الحادي عشر حسب التقويم وعلى هذا فيستحب صيام يومي الجمعة والسبت القادمين تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم وسيرا على عزمه الذي تحدث عنه ولم يتمكن من تنفيذه بسبب وفاته عليه الصلاة والسلام عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع } مسلم. فصوموا عباد الله وحثوا أولادكم على الصيام خاصة وأنه يوافق يومي إجازة، ولنعلن أننا نصوم شكرا لله وتجديدا للعهد بالتوحيد لله وحده لا شريك له وأملا في تجديد نصر الله لعباده، لنعلن بصيامنا وشكرنا مخالفتنا للرافضة الذين جعلوا من يوم عاشوراء يوم حداد اعتراضا على قضاء الله وتسخطا وتفريقا للأمة ردّ الله كيدهم في نحورهم
تعليقات
إرسال تعليق