خطبة حول شدة الحر وشيئا من عبره

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم واسع الرحمة كتب الرحمة على نفسه حقا للمتقين فله الحمد في الأولى والآخرة ، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبدالله ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن أحبه واهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. 
وبعد عباد الله يقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} الكل يتمنى أن يلقى الله وهو مسلم صافي القلب نقي السجل، والتقوى هي سبيل المسلم للثبات على الدين وهي سبيله لمحو الخطايا والذنوب وهي سبيله للأمن حين لقاء الله، فلنتق الله ولنكن عونا لبعضنا على تقوى الله علّنا أن نكون من أهل التقوى الفائزين بثمارها. 
عباد الله إنّ من آيات الله العظام التي يؤكد جل وعلا على عظمتها وعلى أهميتها ويدعو سبحانه للتفكر فيها هي تعاقب الليل والنهار بدقة عالية وبانتظام لا يختل فيعملان في تبدل الأجواء وتغير الأحوال، وهذا الصيف بلهيبه وبسمومه إنما هو آية من آيات الله العظام، حيث يذكّر المؤمنين بنار جهنم ليحذروها نتذكر مع كل سموم يلفح وجوهنا أنفاس جهنم التي تخفف بها على نفسها، فنتعوذ بالله من حال قوم وصفهم الله تعالى بقوله { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ()  تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } عن أَبَي هُرَيْرَةَ t أن رَسُولُ اللَّهِ e قَالَ اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ} متفق عليه. فلنجعل عباد الله من حرارة الصيف دافعا لنا للنجاة من النار، ولنجعل من ليل الصيف سببا للنجاة من النار. 
عباد الله إجازة المدارس الصيفية دفعت الكثير حتى غير المجازين لتغيير نظام حياتهم فأصبح الليل بديلا عن النهار لدى الكثير، وأصبح من يكره السهر ويتأذى منه وبه أصبح مكرهاً على السهر إلى ساعات متأخرة، وللساهرين رغَبا وكَرها أقول اغتنموا ساعات الليل بركعات ترفع لكم درجاتكم وتقربكم إلى ربكم وتمحو ما سلف منكم من لمم الذنوب والخطايا وتحققوا بها أمنياتكم وتطلعاتكم واستعينوا بالله في حمل أنفسكم على ذلك، فإن المناجاة والاستغفار في ساعات السحر سبب للفوز بالجنان إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ () آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ () كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ () وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }. 
عباد الله يصف العرب الفلكيون هذه الفترة من السنة بصفات عجيبة فيقولون ( إذا طلع الذراع حسرت الشمس القناع وأشعلت في الأفق الشعاع وترقرق السراب في كل قاع وكنست الضباء والسباع) ثم في النجم القادم يقولون ( ولم تذر في ذات درّ قطرة وأصابك من السَحَر حسرة) جملٌ توحي بانعدام الحياة في هذه الفترة من السنة وذلك لشدة ما ينزل من حرّ الصيف، تخيل السَحَر الذي هو ألطف لحظات اليوم والليلة تصيبك فيه حسرةٌ من شدة الحر ؟  وهذا يدعونا للتفكر فيما سخره الله تعالى لنا من هذه النعمة العظيمة نعمة الكهرباء، فقد منّ الله تعالى بها لننعم بالإضاءة في حالك الظلمة ولنعيش معها أجواء لطيفة بل باردة في أقسى درجات الحرارة، وفي مقامنا هذا أتذكر حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ} مسلم
فيا ترى أين تلك الحسرة في السحر أو في القائلة وأين حر الرمضاء حين سجودنا؟ فلك اللهم الحمد على ما سخرت ويسرت ونسألك اللهم أن تجعل هذه النعم عونا لنا على طاعتك. 
وإن من شكر النعمة أن يتمتع بها ولا تُحرم النفس ولا الأسرة منها وأن يستمتع بها بما لا يجلب ضرها، وأن يستعان بها على الطاعة ليلا ونهارا، وأن لا تستخدم في معصية تغضب المُنعم بها وتجلب سخطه، وكذلك من شكر نعمة الكهرباء أن يضبط استخدامها وأن ينفق منها بقدر فلا يترك جهاز تكييف يعمل ولا أحد عنده أو يضبط على العمل بطاقته القصوى حتى إن النائم ليضطر للأغطية الثقيلة كما لو كان في الشتاء، وفي المساجد يتأكد وجوب مراعاة الإنفاق من الكهرباء بسبب ما سبق وبسبب أن المال المسدد به الفواتير مال عام مستأمن عليه أهل الشأن. 
عباد الله في مثل هذه الأجواء يكره المرء اضطراره للخروج من منزله أو مقر عمله بسبب الحر وبيننا عمال دفعتهم ظروف الحياة للعمل نهارا وتحت اشعة الشمس، يعملون عملا هو لمتعتنا ولحاجتنا وهؤلاء بحاجة مستمرة لما يخفف عنهم العناء بماء بارد وبكلمة طيبة وبتحية ولو من بعيد تزرع البسمة على وجوههم، ففي ذلك تثبيت للمسلم منهم ودعوة لغير المسلم للإسلام.
السقاية عمل تعده العرب من علامات المروءة وأيّد الإسلام ذلك وزاد أن جعله من أسهل الطرق نحو الجنان فبغيٌ غفر لها بسبب سقي كلب ورجل شكر الله له وغفر له بسبب سقي كلب وجاء في الحديث أن في كل كبد رطبة أجر وفي الحديث الآخر عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، أَنَّ أُمَّهُ مَاتَتْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ فَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ.) النسائي وأحمد وحسنه الألباني. 

 الحمد لله حمد الشاكرين الذاكرين والشكر له سبحانه شكر المقصرين المقرين بالذنب والتقصير والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله قبل أشهر قليلة مر بنا نَفَسٌ من أنفاس جهنم ولكنه من الزمهرير تأذت الناس والبهائم والنباتات من شدة برده ومع ذلك ها هو قد أصبح ذكرى يُتحدث بها وهكذا سيكون هذا الحر إن كتب الله لنا السلامة، وتكرار شدة البرد حتى تنسي كل حرِ مَرّ، ثم مرور الحر لينسي كل برد وكل ربيع وكل جو لطيف تنبيه على أن الأمور تتحول ولا تبقى على حال فما كان عسيرا اليوم فهو غدا يسر وخير، فيكون المسلم معتبرا مفكرا متفائلا ويتذكر بهذا التحول في الطقس وصف النبي صلى الله عليه وسلم للحظات الأولى لدخول الجنة جعلنا الله وإياكم ووالدينا وأحبتنا منهم. يقول عليه الصلاة والسلام { وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ} مسلم 
ثم إننا نجد في الصيف وشدة حره أرق وألذ المنتجات الزراعية من تمر وفواكه وفي هذا إيحاءة بأن كل نازلة مكروهة مهما كانت شدتها وقسوتها فهي تحوي خيرا وتحمل جانبا مشرقا حجبه عن صاحبه التبرم والانزعاج والضيق الذي استسلم له. فمن نزلت به نازلة فليعلم أن الأمر كله لله والله تعالى لا ينزل أمرا مكروها محضا بل لابد من خير يصاحبه وعلى صاحبه أن يفتش عنه فلنكن متفائلين بالخير في كل أحوالنا ولنستحضر دوما أن الله عند ظن عباده به. 
عباد الله وحيث بدأت التمور بالاستواء فيتأكد التذكير بزكاة الزروع والثمار يقول الله تعالى { وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } فمتى ما قطف الثمر وجبت الزكاة إذا بلغ المحصول نصابا وهو ثلاثمائة صاع، ومقدار الزكاة نصف العشر أي خمسة في المائة منه إذا كان يسقى بسحب المياه وبكلفة أما ما يسقى بلا كلفة ففيه العشر كاملا. 
وحين التذكير بزكاة الثمار يستحسن التذكير بوصايا أهل النخيل وأوقافهم وإن لم تبلغ الثمرة حد الزكاة وإن ترك الورثة المطالبة بها، فإن من تحمل أمانة رعاية النخيل القديمة المعروفة بالقضابة تحمل إخراج تنفيذ تلك الوصايا سواء بصرفها في وجوهها أو بدفعها للورثة، ومن تحمل القضابة وأهمل الوصية فالله لن يهملها وسيأخذها من حسنات أولئك المتحملين للأمانة لحسنات الموصين. 
عباد الله تمضي بنا أيامنا مسرعة بنا نحو نهايتها هي لتنقلنا إلى مرحلة أخرى يقول الله تعالى { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } لنتذكر كيف كانت حياة الأجداد ولنتفكر في حياتنا اليوم ولنكن عونا لبعضنا على شكر نعمة ربنا ورعايتها وحفظها وحفظ النعمة يكون بعدم إهدارها ولنستحضر في ساعات السحر التي تضيع في السهر أن المستغفرين آنذاك هم خير البشر ولنكن متفائلين بخير يحفنا وبخلاص يفرحنا وإن كان بعض ما نكره قد تمكن من أذيتنا، جعلنا الله من أهل الذكر وأهل الشكر ورزقنا الفلاح وعمّنا بالرحمة وبارك لنا في كل ما وهبه لنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل