إنما هما الأسودان التمر والماء

الحمد لله الملك العليّ العظيم مالك الملك وواسع الفضل يداه سحاء بالخير في الليل والنهار لا يرد سائلا ولا يخذل مضطرا لاجئا أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين له إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا 
وبعد عباد الله فأوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته وبالسعي نحو مرضاته شكراً منكم لنعمائه بالهداية وسائر النعم، فالله يتولى المتقين ويسارع نحو الساعين ويمدّ بالبركة والزيادة الشاكرين يقول الله تعالى { إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } ويقول سبحانه { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } 
عباد الله قبل 1400 سنة وفي مثل هذه الفترة من السنة حدثت قصة عجيبة صحيحة رواها أئمة الحديث كالإمام مسلم ومالك والترمذي وغيرهم أنقلها بتصرف وجمعاً بين رواياتهم ، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته في ساعة لم يكن يخرج فيها ثم فرأى أبا بكر قد خرج فقال له: ما أخرجك يا أبا بكر؟ قال: أخرجني الجوع. قال: وأنا أخرجني الذي أخرجك  ثم جاءهم عمر فقال له: ما أخرجك يا عمر؟ قال: أخرجني والذي بعثك بالحق الجوع، ثم سار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسٌ من أصحابه فلما اجتمع عددٌ غيرُ يسير، كلهم أخرجهم الجوع، قال لهم عليه الصلاة والسلام: انطلقوا بنا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان _ وكان أنصاريا مزارعا مزرعته بجوار بيته _ فانطلقوا، فلما انتهوا إلى منزل أبي الهيثم قالت امرأته: إن أبا الهيثم قد ذهب يجلب لنا ماء عذبا، فدوروا إلى الحائط، ففتحت لهم باب الحائط فجلسوا. فجاء أبو الهيثم فقالت له امرأته : أتدري من عندك؟ قال : لا! قالت : عندك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فدخل فربط فرسه في نخلة ثم أتاهم فسلّم عليهم وحيّا ورحب، ثم أتى مِخرَفاً له فأتى عِذقاً فاخترف لهم رُطبا فأتاهم به فصبّه بين أيديهم، وجاءهم بماءٍ باردٍ فأكلوا وشربوا فقال عليه الصلاة والسلام: لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ، فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ قِبَلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَئِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.  
وقصة أخرى مشابهة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِي يَوْمًا, مَا أَخْرَجَنِي إِلَّا الْجُوعُ, فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْتُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالُوا: مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقُلْتُ: أَخْرَجَنِي الْجُوعُ, قَالُوا: وَنَحْنُ مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا الْجُوعُ, فَقُمْنَا فَدَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمْ هَذِهِ السَّاعَةِ؟ قُلْنَا: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ فَدَعَا بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ, فَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ تَمْرَتَيْنِ, فَقَالَ:  كُلُوا هَاتَيْنِ التَّمْرَتَيْنِ وَاشْرَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ, فَإِنَّهُمَا سَيُجْزِيَانِكُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا, قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَكَلَتْ تَمْرَةً وَخَبَأْتُ تَمْرَةً فِي حِجْرِي, فَرَآنِي لَمَّا رَفَعْتُ التَّمْرَةَ فَسَأَلَنِي, فَقُلْتُ: رَفَعْتُهَا لِأُمِّي, قَالَ:  كُلْهَا فَإِنَّا سَنُعْطِيكَ لَهَا تَمْرَتَيْنِ. 
وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ طَعَامَنَا مَعَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَسْوَدَيْنِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ وَاللَّهِ مَا كُنَّا نَرَى سَمْرَاءَكُمْ هَذِهِ، وَلاَ نَدْرِي مَا هِيَ؟ يعني الحنطة. ولَمَّا نَزَلَتْ : {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} فَقَرَأَهَا حَتَّى بَلَغَ: {لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، عَنْ أَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ؟ وَإِنَّمَا هُمَا الأَسْوَدَانِ الْمَاءُ وَالتَّمْرُ، وَسُيُوفُنَا عَلَى رِقَابِنَا وَالْعَدُوُّ حَاضِرٌ، فَعَنْ أَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ؟ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ. 
وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ. فَقُلْتُ يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا وفي رواية كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ. وتقول رضي الله عنها تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَبِعْنَا مِنْ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ. فكان غاية نعيم بيت النبي صلى الله عليه وسلم أن تمتلئ بطونهم من التمر والماء وهذا ما تحقق لهم في آخر عهدهم. 
وهذه الحال بكل تفاصيلها بقسوتها وشظف عيشها كانت سائدة هنا إلى وقت قريب ولعل بعضا ممن هم معنا الآن قد أدركوا بعضها.


الحمد لله واسع الفضل والعطاء لما معطي لما منع ولا مانع لما أعطى هو الغني الكريم البر الرحيم أحمده سبحانه واشكره واثني عليه الخير بما هو أهله لا أحصي ثناء عليه كما اثنى هو على نفسه وأصلي وأسلم على النبي المجتبى والحبيب المصطفى الذي أعطاه الله ما أرضاه في الدنيا وفي الآخرة.
 عباد الله يتبين لنا بما سبق أننا في معيشة أفضل مما كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما ربطنا الحجر على بطوننا من الجوع يوما، ولا رهنّا ما نملك لأجل تأمين صاع من طعام لأهلنا، بل نغدو ونروح وبيوتنا ملئ بفضل الله وكرمه من مختلف الأطعمة والأشربة، فاستمتعوا عباد الله بنعم الله وقيّدوا النعم واحفظوها وأمّنوا لذرياتكم مستقبلاً أفضل وعيشاً أرغد من خلال شكر هذه النعم، فما تفضل اللهُ علينا بهذه النعم إلا ليبلونا أنشكر أم نكفر، ولو كان لمزايا نحملها لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته أولى بذلك منا. 
الكل بلا استثناء يسأل الله أن يكون من الشاكرين ويسعى في نفسه وفي بيته ليكون من الشاكرين. ولشكر النعمة حقا علينا العناية بما ربط به إبراهيم الخليل عليه السلام دعوته لهذا البلد بان يكون آمنا يعيش أهله رغد العيش ألا وهي قوله { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } فالإيمان بالله وحده لا شريك له أساس شكر النعمة ثم إقامة الصلاة كما في قوله { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } فمن خلال الإيمان بالله والعناية بالصلاة تتآلف القلوب وتجتمع الأرواح وتتحقق السعادة والهناءة، ويكون شكر النعمة بتلافي أسباب نزع النعمة عن كفار مكة، مكةُ التي حظي أهلها بدعوة إبراهيم عليه السلام التي وعده الله تعالى قبولها فلما ارتكبوا محظورات أربع نُزعت عنهم نعمة الأمن ورغد العيش يقول تعالى { وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ () وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ () فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أربع جرائم ارتكبوها، جحدوا فضل الله في نعمه، وأعرضوا عن رسوله، وتباهوا بامتهان النعمة اسرافاً وعبثاً واستعراضاً للقوة الاقتصادية، واعتنوا بالمحرم طعاما وشرابا، فنزعت عنهم نعمة الأمن والغذاء جزاء وفاقا. 
إذن كي نحفظ هذه النعمة التي بين أيدينا علينا استحضار حياة نبينا صلى الله عليه وسلم واصحابه وحياة أجدادنا ففي هذا عونٌ لنا على معرفة فضل الله فيها، وأن نتبع رسول الله في صغير الأمر وكبيره، وأن نظهر احترام النعمة بكل شكل ينبئ عن احترام لها، وأن نتمتع بالنعم بعيدا عن كل سرف وبما لا يضر الجسد وبالحذر من المحرم أكلا وشربا ووعاء، وبالعناية بالصلاة كما صلاها نبينا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل