خطبة الجمعة فأين الله يا عمران لما إمهال الظلمة

الحمد لله الملك المتعال ذي العزة والجلال مالك الملك ومدبر الأمر أشهد أن لا إله إلا هو الحي القيوم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله وخيرته من خلقه وإمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول الله تعالى { وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } 
اجعلوا عباد الله من يوم ملاقاة الله دافعا لكم للحذر مما يكرهه الله ودافعا لكسب ما يجلب لكم الطمأنينة والرضا والفرح يوم تقفون بين يديه وحين تخرجون من لقائه نحو أهلكم وأحبتكم. 
عباد الله نستلهم حديثنا اليوم من عِمران! أتعلمون من هو عمران؟ إنه طفل من أهل حلب في الثالثة من عمره، كان يلعب في بيته وحوله أهله وفجأة تأتيهم طائرات الحقد تنفس عن حقدها من خلال عمران وأهله، فإذ به وأهله تحت الأنقاض لا يدري ما الذي حدث، ولماذا حدث ما حدث، وما دوره فيما حدث، كل ما حدث أن بيتهم تحول أنقاضا واجتماعهم صار فراقا ومرحهم صار خوفا ورعبا، كلٌ من شاهد الطفل عمران وهو مشدوه ممتزج بالتراب والدماء بكى إلا عمران نفسه لم يبك لأن الصدمة أقوى من مداركه، وهو طفل لم تنزل منه دمعة لأن الرعب قد جفف مدامعه والحدث بقسوته عطّل حواسّه وعقله ولسانه، فعيناه الصغيرتان تدوران لا تريان مما حولهما شيئا. 
الطفل عمران يمثل البراءة التامة أمام الظلم والطغيان والبشاعة في أبشع صورها. وما عمران هذا إلا نسخة مكررة من أطفال مثله في حلب وفي غيرها من بلاد المسلمين التي ابتليت بالفتن وبتسلط العدو، وسيبقى عمران هذا رمزا لقضية إنسانية سرعان ما سينسى كما نسي غيره من قبله، ينسى ليس تهاونا بالحدث وإنما لأحداث ستتوالى هي أشد وأقسى 
يقول عليه الصلاة والسلام : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ. متفق عليه. 
وليس هذا لإعلان التشاؤم ولا لتبرير ما يحدث ولا تهوينا له وإنما للحذر من الأسباب الموجبة لتكرار الحدث، فالفتن تكثر ويسرع اشتعالها في هذا الزمن. والسؤال مع هذا الظلم الذي لا يحصى ومع رؤية عمران وأمثاله، ومع عجز المسلمين عن نصرتهم، السؤال:
فأين الله؟ 
لماذا هذا الإمهال منه سبحانه لهؤلاء الظلمة؟ 
لماذا يؤخر الله تعالى استجابته لدعوات المسلمين في كل يوم وفي كل جمعة؟ وهو يرى سبحانه هذا الظلم النازل بعباده؟ 
أين الله تعالى في ملكه عن أولئك الذين يتطاولون عليه جلّ جلاله يؤذونه ويؤذون أوليائه بمقالاتهم وبتغريداتهم وببرامجهم التلفازية؟ 
أسئلة عدة يجيبك عليها إيمانك بالله ثم معرفتك لحكمة الله في إمهاله سبحانه للظلمة. يجب أن نعلم وأن نؤمن، وأن نعمل وفق ما نؤمّن ونعلم بأن الله جل في علاه حاضرٌ يعلمُ ويرى { وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ } ثم يجب أن نعلم وأن نؤمّن بأن العقوبة للظالم والنصرة للمظلوم إن تأخرت فإنها لأمور عدة أعدُّ منها أربعة فقط.
الأول: أن التأخر قد يكون فتنة للظالم ليزداد إثما وظلما فتكون جريمته مشتهرة واضحة وعقوبته صارمة يقول سبحانه وتعالى { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ثُمَّ قَرَأَ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} البخاري. وأيضا التأخر في العقوبة هو فتنة وابتلاء للمؤمنين ليختبروا إيمانهم ودفعا لهم لمراجعة صلتهم بربهم ولعلهم أن يتوبوا ويخلصوا العبادة ويتجردوا من كل شرك.
الأمر الثاني: الله جلّ في علاه لم يخذل مضطراً لاجئاً ولو كافرا ولم يتأخر سبحانه عن نصرة مظلوم أيا كانت مظلمته، ولكن معية للمؤمن ونصرة للمظلوم وعقابا للظالم بمقاييس غير ما نهوى ونريد وأحيانا بغير ما نرى، فقد يعاقب اللهُ الظالمَ عقوبةً لا يشعر بأثرها ووجعها إلا المعاقب، كما أن المظلوم وإن رأى أنه متروك ومخذول فقد يُنصر بما يغيض عدوه وهو لا يشعر وذلك بما يعوّضه الله به من فتح أبوابٍ جديدة من الحياة لم يحسب لها حسابا لم يدر كيف فتحت وتيسرت، فلا يقف عند تلك المأساة ولا يتضرر جراء ما حصل ويزداد الظالم غيظا وحنقا، إضافة لما ينتظرهما من جزاء في الآخرة. وقد تكون عقوبة محسوسة يعتبر منها أولوا الألباب كما في قصة عاد وثمود وفرعون كيف صُبَّ عليهم العذاب صبا.
الأمر الثالث: من أسباب إمهال الله للظالم هو سعة رحمة الله تعالى فإن الله يمهل الظالم علّه أن يعود ويتوب، تأمل في قصة أصحاب الأخدود وتفكّر في قسم الله وتفكّر في جريمتهم بإحراق المؤمنين بإشراف مباشر من زعمائهم وبتفرج عوامهم ثم يقول تعالى { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } مع كل هذا الجرم فإنهم لو تابوا لتاب الله عليهم. ومن عايش حياة الرئيس العراقي السابق حين احتلاله للكويت وإلى وفاته يلحظ شيئا من ذلك. إنها رحمة الله التي وسعت كل شيء فتصل حتى إلى من لم يطلبها، إنها رحمة الله التي جعلت عملنا اليسير نحن المسلمون يوازي ثلاثة أضعاف عمل من قبلنا، هي رحمة الله تتنزل بغير حساب فتشمل المظلوم وتسع الظالم. نسأل الله أن يشملنا برحمته وعفوه
الأمر الرابع: وهو الأكثر أهمية من بين هذه الأمور وهو: أن الدنيا دار عمل وابتلاء وليست بدار جزاء، وهذا سر الأهمية ومكمن الخطورة! يقول تعالى { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } ويقول سبحانه { لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ ()  مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ } ودوما لا تنس قول الله تعالى { فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } وكلنا نعرف ما نادى به النبي عليه الصلاة والسلام آل ياسر حينما كان يمرهم وهم يُعذبون فيقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنّة ، ولما طلب منه أصحابه رضوان الله عليهم النصرة والدعاء قال غنكم قوم تستعجلون. 
فالأصل ان لا عقوبة في الدنيا بل هناك في يوم الفصل ذلك اليوم الذي يراه الناس بعيدا والله يراه قريبا، وكم هلك من ظالم ومن عاص ومن عاقّ بوالديه نتيجة جهله لهذا الأمر، فإنه إن لم يعاقب على جريرته، إن لم يعقه أولاده أوهم نفسه أنه في طريق صحيح وأن لا صحة لدعوى العقاب، والعاقّ أشدّ الناس ظلما وحينما يبره أولاده فإن هذه فتنة له شديدة لأنه لن يكفّر عن عقوقه وسيظن أن مردّ ذلك لحسن تربيته لأولاده فينسى الله ويعتز بنفسه فيزداد إثما وتعظم حسرته وعقوبته وهكذا كل ظالم نسأل الله العافية  


الحمد لله واسع الرحمة سابغ الفضل والمغفرة شديد العقاب ذي الطول لا معقب لحكمه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة وهداية وبشارة نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. وبعد عباد الله
وإذ علمنا أن الأصل أن المحاسبة تتأخر ليوم القيامة وليس في الدنيا فيحسن ان نعرض هذا المثل: ما رأيك عبدالله بتوأمين في رحم أمهما يعيشان سوية في بيئة لا تخفى، تخيلهما وتخيل تلك البيئة الضيّقة المظلمة التي يعيشان فيها وتلك القيود التي قُيدا بها ليتغذيا من أمهما، أحدهما خرج قبل أخيه بساعة، فالذي بقي يرى أن أخاه الذي خرج من هذا الرحم الضيّق المُظلم مسكينٌ قد خسر كل شيء، بينما الذي خرج وجد نعمة ما حلم بها تلقفته الممرضات فرح به أهله تنادوا بالبشارة بمجيئه تسابقوا إليه فرحا به ولا تسل عما أُعِدّ له من لباسٍ وفراشٍ وغير ذلك فهو يقول يا ليت أخي يعلم بما أنا فيه فيسرع للحاق بي. هذا مَثَلٌ ذكره الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله ليبين ما للمؤمن بعد موته نقلته بتصرف، فالمؤمن يؤمن بأن خروجه وخروج أحبته من هذه الدنيا خروج للأفضل وذلك لحسن ظنه في ربه جل وعلا. 
إذن علينا أن نغرس في أنفسنا وفي نفوس من حولنا أن الله حاضرٌ مطّلعٌ وسينصر كل مظلوم وسيعوّضه بخير حتى يرضى فيسلى عما فقده، 
وأنه سبحانه يمهل الظالم ولا يتركه وإن طالت مدته وزاد تمكينه وقد يكون أنزل به عقوبة ونحن لا نشعر، وقد يكون له ما نجهله من الحسنات تجعل الله يمهله علّه أن يتوب ويقلع، 
ويجب وجوبا مؤكدا أن نربي أنفسنا جيدا ومن تولينا مسؤولية تربيته أن الجزاء هو في الآخرة وهذا ما أكدت عليه آيات الكتاب الكريم في عدة مواضع.
 ومن تأمل القرآن جيدا علم وأيقن أنه مهما ساءت الأحوال وتسلط الأعداء فالفرج قريب يحتاج دعوة من مؤمن لا يشرك بالله شيئا،  وأن الأعداء مهما تحالفوا وتحاموا فإن قلوبهم شتى وإن أظهروا اجتماعا، وأنهم مهما أنفقوا للصد عن سبيل الله فمآله حسرة عليهم يقول الله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}
 ليكن هذا كافيا لنا بأن نلزم أنفسنا فنصلحها ونمنعها من ظلم الآخرين، ولنحذر أشد الحذر من الإفلاس! 
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع له. فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته وقد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيُقعد فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُعطي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار. مسلم وابن حبان. 
وليكن إيماننا بوعد الله مسليا لنا عما حلّ بنا من ظلم أو سرقة أو جناية بسبب نميمة فإن ما سنجده خيرا مما طالنا وفاتنا وسنعوّض بما يرضينا. 
وتذكروا أن مثل عمران سيكون بيننا إن استجبنا لدعاة الفتنة والفرقة. وملخصا لما سبق فإن الله تعالى حاضرٌ لا يقبل ظلما ولا يرد لاجئا مضطرا، 
وأنه سبحانه يعلم ويرى أولئك الظلمة الذين يؤذون أوليائه يؤذونهم فيه سبحانه وفي مبادئهم ودينهم وفي أنفسهم، وأن العقوبة الإلهية للظالم قد تتأخر فتنة للظالم ليزداد إثما أو ليتوب ويقلع، وقد تتأخر ليتوب المظلوم ويجدد الصلة بالله أو أن العقوبة للظالم والنصرة للمظلوم قد تكون معنوية فالجاهلُ يرى ان الظالمَ سالمٌ وهو معاقب ويرى المظلومَ مخذولٌ وهو معوّضٌ بما لم يحسب له حسابا، وأن الأصل أن الجزاء إنما يكون في الآخرة وليس في الدنيا فالدنيا دار عمل وابتلاء وليست بدار جزاء. 
حفظنا الله وأحبتنا من مظلات الفتن ووقانا برحمته دعاة الفتن ودفع عنا بلطفه كل ظلم وباعد بيننا وبين الظلمة في كل الشأن وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل