نفرح للإسلام ولا نغلو في الأشخاص وقفة مع الانقلاب الفاشل
الحمد لله العلي العظيم مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله نبي الرحمة وإمام الهدى وسيد الورى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن بهديه اهتدى وبعد عباد الله فأذكّر بقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }
عباد الله إن من نعم الله تعالى التي لا تقدر بثمن نعمة الأمن، نعمة يمنحها الله لكل من حصّل قوى أمنية شديدة اليقظة بالغة الحزم، وهي نعمة جعلها الله تعالى حقا عليه لمن حقق العقيدة الصافية ولو لم يمتلك قوة أمنية كافية يقول سبحانه { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } فلا ينفع الإيمان والعمل الصالح لوحدهما بل لابد من التوحيد الخالص، ولما أراد الخليل إبراهيم عليه السلام الاطمئنان على ذريته من بعده استعان بالتوحيد كما حكى الله تعالى عنه { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ } فطلب من ربه الأمن وطلب العون على مسبب الأمن وجالبه ألا وهو التوحيد ومجانبة الشرك. فالأمن هبة من الله تعالى يهبها لمن وحّده ولو لم تتوفر له القوة الأمنية الكافية، ولا يمكن للإيمان أن يتمكن في النفوس بدون وجود الأمن ولن تزدهر الحياة ولن ينعم الناس بشيء من النعم إذا عُدم الأمن أو أختل شيئا يسيرا، فالأمن نعمة إلهية تستحق أن يفرح الناس بها وأن يفرحوا لتحققها لغيرهم، الأمن خيرٌ نِعمِ الله بعد الهداية للصراط المستقيم من فاز به فرح ومن كان في قلبه إيمان يفرح إن فاز به إخوة له في الدين، وإننا عباد الله إذا أردنا أن نحصر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من مشاهد الفرح بحصول الخير للغير لما وسعنا المقام ولكن أنقل ما يبين فرحه للخير يحل بالغير، صفة استقباله لعكرمة بن أبي جهل ابن عدوه اللدود حينما أسلم وجاء إليه معتذرا معلنا إسلامه، كان عليه الصلاة والسلام متكئا فلما رأى عكرمة هبّ إليه مرحباً به فرحا له وسقط رداؤه عن كتفيه من سرعة النهوض وعانقه بدون رداء عليه صلوات الله وسلامه عليه، هي فرحة بفوز الغير بالخير، وإن من علامات الإيمان: الفرح بزوال الفتنة عن بلد إسلامي كبير له وزنه ومكانته وكلمته أعني تركيا، ففشل الإنقلاب نعمة من الله وأمنٌ يتجدد على بلد مسلم وكبتٌ للعدو المتربص وهو استجابة من الله لدعوات المسلمين كل جمعة حينما يرفعون أكفهم قائلين اللهم أعز الإسلام والمسلمين، إن ما تحقق لهم من أمنٍ هو أمنٌ لهم ولنا وللمسلمين، كم هي أحزاننا وآلامنا جراء ما حدث في دول الألم العربي، كيف أصبحت تلك البلدان الآمنة مرتعا خصبا للمفسدين وللإرهابيين وللرافضة يتحكمون فيهم ويهددوننا من خلالهم، أَوَ لم يكف المسلمين تلك الألآم حتى نرى الشامتين ببلد مسلم؟ كيف يفرح مسلم بمصيبة تحل ببلد مسلم يعتز باتباعه لسنة نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ بل نفرح إذ نجى الله بلدا مسلما، ونفرح إذ سلّم الله مسلمين من الابتلاء بالخراب والاضطراب والدمار، فحمدا لله قضاؤه باللطف والحفظ للمسلمين هناك ونسأله سبحانه أن يشملنا بهذا اللطف والحفظ وأن يشمل بلادنا وجميع بلاد المسلمين، وأن يعمّ بلاد المسلمين براية الكتاب والسنة حاكمة أهلها مرفرفة في أرجائها وأجوائها.
نفرح بهذه السلامة ونظهر الفرح بها بغض النظر عن الميول والانطباعات والملاحظات حول قيادة ذلك البلد. أنسينا قول النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ} متفق عليه. وإني لأعجب من طائفة تغضب لفشل الانقلاب بالرغم من إعلان قيادتنا السياسية والدينية لرضاها وفرحها بفشله. بل وبالرغم من دعائهم هم أن يعز الله الإسلام والمسلمين فكأنهم يحددون عزة الإسلام بما يوافق أهواءهم لا بما يقضي به الله عياذا بالله، وأعجب أيضا من نقل خلافات هناك إلى صراعات هنا تبعا للحزبيات هذه وتلك، أهواء وأمزجة باطلة نتنة تتحكم في مجريات أحاديث عامة لتفسد الحياة على أهلها وتنشر الفرقة بتصنيفات باطلة بهذا الاتجاه أو ذاك.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه حمدا وشكرا كما يحبه ربنا ويرضاه وأصلي واسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله ففرحنا بسلامة تركيا من عواقب ذلك الانقلاب لو تم لا يعني القبول بتمجيد الأشخاص وتزكيتهم مهما حققوا من إنجازات في بلدهم، فما يهم الناس هو سلامة البلد المسلم أيا كان لا تمجيد شخص الحاكم مهما كان وإن كان هو ذو أثر كبير في الرقي والتمكن، لقد نهانا الله تعالى عن تزكية أنفسنا لأننا لا نعلم ماذا ستؤول إليه حالنا فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيفما شاء، ولقد شهد الصحابة لرجل بالشهادة فنفاها عليه الصلاة والسلام عنه لأنه غلّ شملة لا يلقي لها الناس بالا لم تصبها قسمة الغنائم. وفرق بين الشهادة بالخير المبشرة بالخير وبين التزكية الموحية بالكمال فإن التزكية إن صدرت عامة مطلقة لشخص ما فستكون سيئاته حسنات عند المسلم البسيط ويكون هو القدوة له وسيبوء مطلق الشهادة بذنب ذلك المتبع لتزكيته. يجب أن نأخذ من التاريخ عبرة حتى لا نجدد الندم والحسرة، ماذا أخذنا من تلك المدائح التي أطلقت على قادة الجهاد الأفغاني؟ ثم ماذا تبين منهم بعد أن خرج المحتل من أرضهم؟ لقد أصبحنا عدوهم الأول وتعلقوا بعدوهم الأساس، ولقد تبين بُعدُ كثير منهم عن الإسلام بالرغم من مظاهرهم الخداعة، بل هذا المتهم بقيادة الانقلاب كيف كان بعض الدعاة هنا يثنون عليه ويدعون للاستفادة من علمه ومن تجربته ثم ماذا يقال عنه الآن؟ وأجزم أن كثيرا اليوم لم يسمع بقصيدة أمير الشعراء العرب في عصره أحمد شوقي وكفى بالشعر ذاك الزمان بثا إعلاميا فعّالا ينساق الناس خلفه اتباعا له، حينما كتب قصيدة عصماء ذات ثمانية وثمانين بيتا شعريا يمدح فيها القائد التركي الذي صوّر للناس على أنه مسلم مجدد الفتح الإسلامي وانخدعوا به فاستفتح قصيدته بقوله :
الله أكبر كم في الفتح من عجب، يا خالد الترك جدد خالد العرب.
يشبهه بخالد بن الوليد رضي الله عنه ثم ما لبث أن ندم أشد الندم حينما انكشفت حقيقة ذلك الرجل الذي هو هادم الخلافة العثمانية وناشر العلمانية ومحارب للغة العربية والمظاهر الإسلامية في تركيا الأتاتركي المعروف. وعياذاً بالله أن أشبّه مسلم يفخر بإسلامه بكافر يفخر بكفره وبمحاربته للإسلام، وإنما أدعو إلى أن نفرح وأن نظهر الفرح بالإسلام ينتصر وبالإسلام يُعز هو وأهله في أي أرض فالإسلام لا يتغير وأن نفرح بالأمن يظلل بلاد المسلمين كما يظلل بلادنا وأن نكتفي بالدعاء لمن رأينا منه صلاحاً وفلاحاً وجهداً في خدمة الإسلام فهو بحاجة للدعاء وليس للتزكية التي ترفعه عن حدود البشر، خصوصا وأن تلك التزكيات الخيالية تنقل لمن لا علاقة لهم به ولا تأثير لهم في مجريات الأحداث لا هنا ولا هناك، كما أدعو إلى تجنيب مجالسنا ومنتدياتنا ما يثير النعرات ويؤجج الخلافات ويرسخ الحزبيات الموجبة للانقسام.
تعليقات
إرسال تعليق