البركة في العمر شهر شوال مثال حيّ

 الحمد لله العلي العظيم والبر الرحيم الملك العزيز الحكيم غافر الذنب وقابل التوب واسع الفضل والعطاء لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وهو الغني الكريم أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد ان محمد بن عبدالله عبده ورسوله وإمام أنبيائه ورسله وصفوة خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
فيقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } وصية من الله تعالى بالتقوى ما دامت الروح في الجسد، ذلك أن للعبد المتقي في التقوى خيرات لا تحصى أشار جلّ وعلا لبعضها حيث يقول جلّ جلاله { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } { فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } {وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } إن لزمتَ التقوى ما استطعت فأبشر فإن الله يكن معك وأنت توفق إلى أن تكون من الشاكرين الفالحين المرحومين، بالتقوى يكن الشكر، وبالشكر تنمو النعم وتُحفظ، فلنكن عباد الله عونا لبعضنا على التقوى تذكيرا بها وتيسيرا لأسبابها وقدوة في التخلق بها . 
عباد الله يقول الله تعالى { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ويقول سبحانه { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } حياتنا قصيرة ومراحلها متسارعة، مرحلة النشاط المصحوب بالعقل عادة هي أسرعها انقضاء، حياتنا قصيرة مهما عددنا فيها من سنوات، هي قصيرة وإن تكاثر البعضُ على البعضِ سنوات يعيشها في المشيب والضعف، الكثير يكتفي بعدّ الزمن ولذا فكثير هم أولئك الذين خسروا أنفسهم لأن حياتهم مجرد أرقام تترحل، فترحلت وخسروا. 
أما من اعتبر الأيام هبة ربانية ومكرمة إلهية فإنه يتلمس ما ضُمّنت من غنائم ليضاعف الأرقام وليمُدّ في عمله كما لو كانت الفسحة الزمنية أضعاف ما هي عليه حقيقة،  كسب الزمن لا يكون بمرور الساعات فالكل تمضي ساعات عمره وإنما الكسب يكون بكسب الفرص السائرة  حينها يبارك للإنسان في وقته فيبارك له في عمره، والبركة إنما تحل بسبب عمل صالح يدفع إليه قلب صادق ، وحينما يجتمع خلوص القلب وصلاح العمل يكن العمر حافلا بالمنجزات التي تجعل الآخرين يتعجبون كيف مكّنه الوقت من عمل كل ذاك! بل هو بذاته حينما يعرض عليه سجله يقول أنى لي هذا؟ حينما تستعرض سيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام ستجد أن عمره لم يتجاوز الثلاث والستين سنة بل ستجد أن المرحلة التي بلغ خلالها ما بلغ لم يتجاوز عمرها الثلاث وعشرين سنة فقط، أحداثٌ جمة رحلاتٌ شاقة صعوباتٌ متلاحقة متعٌ متنوعة عباداتٌ لا تنقطع صلاة وصيام واعتكاف ودعوة وجهاد وتربية أحداثٌ تناقلها الرواة ولم تستوعبها مجلدات كل ذلك في خلال ثلاث وعشرين سنة. فكيف تم ذلك؟ كيف مُكّن من كل ذلك؟ أذلك خاص به عليه الصلاة والسلام أم متاح لكل من رغب عمارة حياته بالإنجازات ؟ 
من يتأمل سير الناجحين من العلماء والقادة سيجد أن ذلك متاح لكل من طلبه وليس خاصا بالنبي عليه الصلاة والسلام. فإن نية صادقة وعزيمة جازمة حازمة وتنفيذ بلا تراخي لما استُهدف من عمل يجلب البركة في الوقت وهذه إحدى سنن الله في الكون. 
هاهم أئمة الإسلام ممن لم تتجاوز أعمارهم الأربعين عاما كالإمام النووي وابن تيمية حياتهم مستمرة لمئات السنوات بالرغم من القدر الزمني القصير الذي عاشوه وبالرغم موتهم قبل مئات السنوات وذلك للمنجزات التي حققوها فخلدت آثارهم وذكراهم وكل عالم مسلما كان أو كافرا قدّم خدمة للبشرية تجده عمر حياته بحياة لا تنقطع بسبب عمل صالح قدّمه لم تكن الدنيا حينها هي هدفه ومن كانت الدنيا تجارة أو ذكرا فإن عامة مشاريعهم تتوقف بتحقق طموحاتهم وقد تنتهي قبل اكتمال فرحتهم. العمل الصالح سبب لعمارة الوقت وسبب لكل خير. عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ. أحمد وصححه الألباني. تعمر الأوطان بالتواصل وحسن التعامل، وتعمر الأزمان بالصالح من الأعمال، بالعمل الصالح نكسب العمر فنفوز بالزمن ونفلح حينما يفشل الآخرون، بالعمل الصالح نعوّض قصر العمر الزمني لنكسب عمرا لا ينتهي، حينما تصفو قلوبنا لخالقنا جلّ وعلا فتقف عند أمره ونهيه وتسارع لوعده احتراما لحكمه ورغبة في رضاه وفي ما عنده وخشية من سخطه وغضبه نكن من أولئك الذين أشار إليهم جل وعلا في الآيات السابقات من أنهم هم الشاكرون المفلحون المرحومون الفائزون بمعية الله لهم في كل شأنهم وهذا سر كل فوز في هذه الدنيا . بارك الله لنا في الكتاب والسنة ورزقنا البركة في أعمارنا وسائر أحوالنا 

الحمد لله العلي العظيم المنان المتفضل بالإنعام والشكر له سبحانه على ما تفضل به من فسحة في العمر وقدرة على العمل ونسأله تعالى أن يزيد في الفضل بقبول ما نقدم وبجبر ما يرد من خطأ وخلل وأن يغفر التقصير والزلل والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعاملين وبشارة للمؤمنين وهاديا للصراط المستقيم وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله. 
بالعمل الصالح يجلب العبد البركة لنفسه، فمثلا حينما يعمل عملا صالحا كصلاة الجماعة فإنه كمن صلى سبعا وعشرين صلاة وإن صلى جميع فروض اليوم في جماعة فكأنما صلى سبعة وعشرين يوما فتضاعف اليوم الواحد وصار سبعة وعشرين يوما، من صلى  العشاء والفجر في جماعة يكن كمن قام الليل كله، فتضاعفت  تلك الدقائق اليسيرة لتبلغ ليلة كاملة، وإن كان من الموفقين لليلة القدر فقد فاز بما هو خير له من العمل في عمره كله، ومن تقدم إلى الله خطوة جاءه الله بأسرع منها، وهكذا كل عمل صالح يقدمه المسلم لنفسه وقد صلحت نيته فيه فإنه يكون سببا لبركة تحل عليه في عمره تجعله كما لو عُمّر أضعاف الزمن الذي عاشه، وبها يتفوق بها على كثير ممن كسل ففقد البركة في وقته وضيّع نفسه وخسر عمره، حتى إذا نزل به ملك الموت لم تلحقه حسرة وإن كانت أمانيه لا تتوقف. 
وأكثر ما يجلب للعبد البركة في عمره الدعاء لربه بان يهبه البركة والحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة، وصلة الرحم يقوم بها استجابة لأمر ربه وصلة لوالديه في أحبتهما يقول نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. متفق عليه. والبركة لا تعني الزيادة بل يبارك له في رزقه فيكون دخله موازيا لنفقته وأكثر ويبارك له في عمره فيمنح الإحساس بالوقت كاملا.
في رمضان كانت الصلاة وكان لزوم المساجد وكان الدعاء سمة الجميع فالكل كان من أهل الطاعة إلا من شذّ، وفي العيد كانت الصلة بالأحبة كل بحسب حاله وما تيسر له، فكان شهرُ شوال شهرٌ مبارك في لحظاته أحسّ الكثير بمرور ساعاته بالرغم من أن ساعات اليوم فيه لم تتجاوز الأربع والعشرين ساعة كغيرها من الأيام، بركة حلت فيه رأى معها الكثير أنه استوعب كافة رغباتهم وآمالهم حتى عدوّه أطول شهور السنة وحتى بالغوا في التعبير عن مللهم منه، ليعطينا هذا رسالة بأن الزمن يبارك فيه بحسب ما سبقه من عمل بيّن الشرع أنه سبب للبركة، وأما إن كان طول الشهر عند البعض ومللهم منه بسبب خمسة أيام تقدم فيها نزول الراتب عن موعده في الشهر الماضي فعليهم أن يراجعوا صلتهم بربهم وأن يراجعوا دراسة نفقاتهم. عباد الله تمضي بنا أيامنا مسرعة بنا نحو نهايتها هي لتنقلنا إلى مرحلة أخرى يقول الله تعالى { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } جعلنا الله من أهل الذكر وأهل الشكر ورزقنا الفلاح وعمّنا بالرحمة وبارك لنا في كل ما وهبه لنا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل