الدعاء في رمضان 1437

 الحمد لله رب العالمين، الملك البر الرحيم، غنيٌ كريمٌ سبحانه، عظيمٌ ودودٌ جل جلاله، بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله فله الحمد كله وله الشكر كله، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيراً، وبعد عباد الله فكل منا حينما ينظر حوله فسيجد من أصحاب صباه رجال لامعون موفقون وآخرون بسطاء مساكين أو لنقل بسطاء ضائعون ينظر لذلك الموفق وقد تبوأ منصبا مرموقا أو نال شهادة علمية عالية أو حظي بمكانة علمية أو اجتماعية جعلته محط انظار مجتمعه فيقول لقد كان بإمكاني أن أكون مثله وأفضل لو انتهزت الفرص آنذاك، وينظر لمن هو في الطرف الآخر الذي أضاع نفسه وفرّط في فرص مرّت به فيحمد الله أن عافاه وأن وفقه وهداه لاختيار السبيل الأفضل، وهكذا يوم القيامة سنجد من نغبطهم ومن نتمنى أن لو سلكنا مسلكهم حينما نراهم وقد صعدت بهم الملائكة في منازل عليين وسنحمد الله أن نجانا من سبيل من هوى من على الصراط إلى قاع جهنم عياذا بالله نتيجة ضعف أعماله ونتيجة اتباعه لهوى في نفسه أو لنداء الكسل والعبث الذي كان يرفعه كثير من الفساق في مجتمعه. وحتى لا تحل بنا حسرة ولا ندامة نجد أن الله تعالى يكثر لنا من الوصية بالتقوى ((وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )) فاتقوا الله عباد الله وراقبوه واغتنموا نعمه للتقرب إليه وللتزود بما يسر يوم ملاقاته جل جلاله، ومن تقوى الله اتقاء الكسل والخمول الذي يؤدي إلى التفريط في الفرص، واتقاء الفتن التي تباعد بين العبد وبين الفوز بمكاسب الفرص, إن من حظي في الدنيا بمكاسب ما فإن حظوته تلك إنما كانت بسبب قرار اتخذه فوفقه الله فيه، وكل من ضاع وضلّ فإنما كان بسبب قرار اتخذه، ورمضان فرصة عظمى تحتاج لقرار حازم لكسبها، فلياليه وأيامه لا تعدو لحظات سريعات تمر لا تقف لأحد ولا تنتظر أحد، وكلٌ سيسأل كيف أفنى هذه اللحظات التي هي الفرصة والمنحة الربانية. عن كعب بن عجرة قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: احضروا المنبر فحضرنا فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه قال: إن جبريل عرض لي فقال: بعداً لمن أدرك رمضان فلم يغفر له قلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بعداً لمن ذكرت عنده فلم يصل عليك قلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعدا لمن أدرك أبواه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت: آمين} رواه الحاكم وصححه الألباني. كم من عبد مسلم يا ترى سيرغم أنفه نتيجة إضاعته لرمضان؟ نسأل الله العافية والسلامة ونعوذ به سبحانه من الحسرة والندامة ونتطلع لفضله وكرمه ورحمته في أن نكون من الفائزين برمضان وغيره. وإن من أعظم ما أودعه الله تعالى رمضان من فرص وغنائم وهو من أعظم ما أمرنا به ربنا جل وعلا في هذا الشهر الكريم الدعاء، والأمر بالدعاء هو دعوة لنيل الرحمات ودعوة للفوز بمقام العبودية العظمى وهو دعوة لخلاص النفس من همومها فللدعاء مكانة عظيمة إذ هو من أجلّ العبادات وهو عملٌ محبوب لله عز وجل يكرّمه جل وعلا ويكرّم صاحبه يقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ.} أحمد وابن ماجة والترمذي. وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ مَا سَأَلَ أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهُ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ. الترمذي.فإذا اقترن بالدعاء صومٌ كانت المنزلة أعلى وكانت الإجابة أرجى. فعنه عليه الصلاة والسلام قوله: ثلاث دعوات مستجابات : دعوة الصائم ودعوة المظلوم ودعوة المسافر .صححه الألباني. وللدعاء المُكرم المقبول شروطُ أهمها: الإخلاص لله عز وجل فلا يدعى مع الله أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فالله لا يقبل الشرك صغيره ولا كبيره انظر كيف استجاب الله تعالى للمشركين حينما رأوا الهلاك فدعوه مخلصين له الدين وكيف وكل سبحانه عبادا مؤمنين إلى أنفسهم لما أشكروا في الدعاء وتوسلوا بأحد جعلوه بينهم وبين ربهم، ومن الشروط للدعاء المكرم المقبول أن يكون الداعي على ثقة بالله ويقين بإجابته فالله عند ظن عبده به ولا مكره له سبحانه ولا يقبل تعالى أن يختبره عبده، ومن الشروط حضور القلب حال الدعاء فمن سوء الأدب أن تناجي ربك وقلبك وفكرك سارح في أمور شتى.


 الحمد لله المتفضل بالمنّ والعطاء والشكر له سبحانه على ما منّ به وأعطى والصلاة والسلام على من علّمنا الدعاء بقوله وبعمله فهو ملازم للدعاء في الشدة والرخاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فكعلوم أنه ليس شيء أكرم على الله من الدعاء والله كريم لا يرد يدي عبد رفعت إليه تطلب حاجتها ومن كرامة الدعاء أن الله سبحانه وتعالى أرشدنا لأفضل الدعاء وهو ما ذكره سبحانه من أدعية الأنبياء وأدعية المؤمنين وأدعية الملائكة للمؤمنين فذكره سبحانه لها دليل على صحتها وعلى رضاه عنها وقبوله لها، فما حضرك من هذه الأدعية فالزمه وتمسك به واعلم أنه كلما لاحظت أن الله يفتح لك في الدعاء والذكر فاعلم أنه قد أراد بك الخير عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ فُتِحَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ مِنْكُمْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَلاَ يَسْأَلُ اللَّهَ عَبْدٌ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ الْعَافِيَةَ. والدعاء هو من أعظم صور البر بالآباء والأمهات عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ليرفع العبد الدرجة فيقول رب أنى لي هذه الدرجة؟ فيقول بدعاء ولدك لك. وإن من أسهل الأسباب التي تضاعف لك أعداد دعواتك ان تدعو لإخوانك المسلمين الأحياء والميتين فلك مقابل كل منهم بمثل ما دعوت لهم، وكان عليه الصلاة والسلام إذا ابتليت بعض الوفود او القبائل المسلمة بطغيان وظلم أعدائهم استنصر لهم بالدعاء حتى يهيئ الله له فرصة نصرتهم عسكريا وغالبا ما تنتهي تلك المظالم بإلحاحه وإلحاح صحابته في الدعاء بدون الحاجة لمواجهة عسكرية مع الأعداء. وفي رمضان يستحسن أن نقرأ عن دعاء القنوت ومعانيه وأسراره فإن عامة الأدعية المنتشرة هي مما علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لأهله ولصحابته ومعرفتها سبب لحضور القلب وتفاعل المشاعر معه. وإن من أفضل الدعاء قول لا إله إلا الله وسؤال الله العفو والعافية وسؤاله قرة العين في الزوج والذرية والحسنة في الدنيا والآخرة والنجاة من النار وكثرة الصلاة والسلام على النبي المصطفى والحبيب المجتبى محمد بن عبد الله فإن الصلاة عليه دعاء عظيم عجيب مقابل كل صلاة منك له عشر صلوات من الله عليك ودعاء من الملائكة لك وسبب لشفاعته لك يوم القيامة فاغتنموا لحظات السحر ولحظات ساعة الجمعة فلعل دعاء صادقا في لحظة مباركة ترفع صاحبها درجات لا يحلم بها

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل