خطبة الجمعة الأخيرة في رمضان 1437
الحمدلله الملك الغني الكريم ملِكٌ لا تغيض خزائنه ولا تثقله مسألة خلقه ولا ينفذ ما عنده، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم البر الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومنح الفضل والخيرية على الخلق أجمع وأري منزلته العلية الرفيعة فكان أكثر الخلق خضوعا لله وأكثرهم شكرا لله وأطولهم وقوفا بين يدي الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله وها قد ترحلت أيام الشهر الفضيل، الشهر العظيم، الشهر المبارك، شهر رمضان، أيامه ولياليه سبقت أمانينا وتطلعاتنا، وغفلتُنا أغفلتنا عن تدارك لحظاته العظام، فدُوّن في سجلاتنا ما نحب ونتمنى رؤيته، ودوّن كذلك ما نكره رؤيته ونتمنى لو أن بيننا وبينه أمدا بعيدا.
روي أن ملك الموت دخل على داود عليه السلام فقال: من أنت؟ فقال: أنا من لا يهاب الملوك، ولا تمنع منه القصور، ولا يقبل الرشوة، قال: فإذًا أنت ملك الموت، قال: نعم، قال: أتيتني ولم أستعد بعد! قال: يا داود، أين فلان قريبك؟ قال: مات قال: أين فلان جارك؟ قال: مات، قال: أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرٍ، فَقَالَ:مَنْ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ؟"فَقَالُوا: فُلانٌ، فَقَالَ:"رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ. رواه الطبراني وصححه الألباني. بالأمس كنا نستبشر بمقدم رمضان، ويبارك بعضنا لبعض بشهوده، واليوم هاهي جمعته الأخيرة تعلن قرب رحيله. وقدأبقى الله تعالى لنا فسحة في رمضان لا يفوّتها عاقل يدرك ما ينتظره في غده، فاتقوا الله في أنفسكم باستغلال ما بقي من هذا الشهر وبالأخص هذه الليلة العظيمة التي هي آكد الليالي أن تكون ليلة القدر، أحسنوا لأنفسكم بعمل تقر به أعينكم وأنتم في قبوركم ويوم تقفون بين يدي ربكم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً } البخاري يقول تعالى { بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ () وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } كلنا مرت عليه ليالي هذا الشهر الكريم وكلنا سيسأل عنها وإنما الأعمال بخواتيمها فانظر بما ستختم شهرك ؟ فالختام عنوان الصدق من عدمه وعنوان حسن الظن بالرب جل وعلا من عدمه، ومحسن الظن بربه يخشى أن يراه ربه حيث يكره ويخاف أن يفقده ربه حيث أحب. ما يريد الله بنا عسرا ولا يريد سبحانه لنا تعبا ولا نصبا ولا فقرا وإنما يريد جل جلاله أن يخفف عنا وأن يتوب علينا وأن يطهّرنا، يريد سبحانه منا أن نتقدم بذكر فيذكرنا وبدعوة ليستجيب لنا وبوقفة بين يديه ليعطينا وبنية صادقة ليرضى عنا.
الأيام معدودة محدودة والفرص متنوعة متيسرة
فهذه تلاوة القرآن لك بكل حرف عشر حسنات،
وهذه لحظات انتظار الصلاة والمكوث بعد الصلاة لك فيها ملائكة تستغفر لك وتدعو لك فلا تفوت هذه اللحظات،
وهذه جماعة المسجد لن تخلو بإذن الله من رجل أو امرأة لو أقسم على الله لأبره فالزمهم تكسب دعوة منهم لعلها تكون غنيمتك التي ترفعك وأنت لم تحسب لها حسابا، { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}
وهذه الصدقة تسد بها خلة وحاجة فقير وتمحو لك خطايا عدة وتطفئ غضب ربك يوم تقف بين يديه لوحدك.
عباد الله في ختام الشهر شرع الله لنا عمل اجتماعي عظيم يتكاتف فيه المجتمع لتنتشر فيه الفرحة يوم العيد فلا يحجب الفرحة عنهم فقر ولا قلة ذات يد عملٌ يفترض أن يحجب مشاهد التسول التي تفسد الفرحة وتشوه الصورة الجميلة المفترضة للمسلمين، هذا العمل الاجتماعي العبادة التي يتوج بها الصيام ويستقبل بها العيد هي زكاة الفطر. عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ} متفق عليه. فزكاة الفطر واجبة على كل نفس مسلمة مكلفة أو غير مكلفة تغرب شمس آخر يوم من رمضان وهي على قيد الحياة، وتستحب عن الجنين. وزكاة الفطر تؤكد على المنع من إعطاء المتسولين يوم العيد فبعد الزكاة هم لا يسألون إلا تكثرا وفي الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر} مسلم ، وبحمد الله فقد تبنت الجهات الخيرية في المجمعة حملات صدقات متعددة بحسب احتياجات الأسر الفقيرة مشاركتنا لهم خير لنا وهي حملات لا عذر معها لمتسول يوم العيد. ولنغتنم فرصة هذه الحملات الخيّرة فلنشارك معهم ولو بالقليل . بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة أقول قولي هذا واستغفر الله
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا كما يحبه ربنا ويرضاه والشكر له سبحانه على ما أولاه من الفضل والنعيم في قديم وحديث وخاص وعام والصلاة والسلام على خير الأنام محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فتنظيما لشعيرة زكاة الفطر ومنعا لتكدسها لدى أفراد محدودين وحرمان محتاجين آخرين فيجب تحري الفقير المستحق لها وإن تعذر أو شق التحري فإن المستودع الخيري بالمجمعة يتكفل باستلام زكاة الفطر من المزكين وتوزيعها في الوقت المحدد شرعا على الأسر المحتاجة المسجلة لديهم وبالإمكان تسليم الزكاة لهم عينيا أو تدفع لهم قيمتها ليتوكلوا عن المزكي في الشراء والإيصال وذلك في مقر المستودع مقابل الهلال الأحمر بالمجمعة.
عباد الله وفي ختام رمضان النسك العظيم شرع لنا ربنا جل وعلا عبادة التكبير منذ إعلان رؤية هلال شوال كما قال تعالى { وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فمن الشكر لله التكبير ليلة العيد وصباحه ومن الشكر لله الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صبيحة العيد بالأكل تمرات قبل الخروج من المنزل والحضور للمسجد من طريق والعودة من طريق آخر وكذلك شرع جلّ وعلا الفرح بيوم العيد فالفرح يوم العيد عبادة كان يحث عليها نبينا عليه الصلاة والسلام وأعظم لحظات العيد فرحا لحظة الصلة بالله في أول ساعات يوم العيد وذلك بالاجتماع لصلاة العيد والاستماع لخطبتها التي رأى بعض أهل العلم وجوبها لكثرة تأكيده عليه الصلاة والسلام على حضورها، وستقام صلاة العيد في مصلى العيدين في شارع الأربعين وفي كافة الجوامع وموعد إقامة الصلاة في هذا الجامع بحول الله تعالى في الساعة الخامسة وثلاث وعشرين دقيقة فاحملوا أنفسكم وحثوا نساءكم وأولادكم ذكورا وإناثا على حضور صلاة العيد. وأكثروا من الصلاة على نبيكم فذاك أمر ربكم لكم
اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وارض اللهم عن صحابة نبيك وأرضهم والتابعين لهم ومن تبعهم وارض اللهم عنا وعن والدينا وأزواجنا وذرياتنا وأحبابنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين
اللهم أعز الإسلام و المسلمين اللهم الطف بعبادك أمة نبيك اللهم يا ذا الجلال والإكرام نستنصرك لإخواننا أتباع نبيك المستضعفين والمجاهدين في كل مكان اللهم انصرهم في فلسطين وفي سوريا وفي العراق وفي اليمن وحد كلمتهم ورايتهم ولا تشمت بهم عدوا ولا حاسدا يا رب العالمين وادحر اللهم أعدائك من الرافضة والصهاينة وسائر الملل الكافرة والمشركة واكفنا شر الخوارج والمنافقين ردهم اللهم بغيظهم وفرّق شملهم ونوّر عقولنا وعقول شبابنا بخطئهم وبخطرهم وخطر من يمدهم اللهم طهّر قلوب عبادك من فكر الغلو والضلال.
اللهم انصر قواتنا المسلحة على عدوك وعدونا وأثلج اللهم صدورنا واقر أعيننا بعز الإسلام وبظهور المسلمين عاجلا يا رب العالمين
اللهم احفظ واعن ووفق المرابطين على حدودنا والقائمين على أمر ديننا وأمننا وقيمنا وردّ عنا كل باغ فتنة بيننا وكل محب لشيوع الفاحشة فينا وقَنا شر كل مغتاب ونمام وسماّع لهما، ووفق اللهم إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين لما فيه الخير له ولنا ولأمة نبيك يا أرحم الرحمين واجعله ونائبيه وإخوانه وأعوانه رحمة على عبادك وحربا على أعدائك
اللهم واجعل بلدنا بلدا آمنا مطمئنا رخاء سخاء واحفظه من دعاة الفساد يا رب العالمين وسائر بلاد المسلمين
اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم نسألك أن تهب لنا قرة العين في أزواجنا وذريتنا وأن تجعلنا وإياهم مقيمي الصلاة ربنا وتقبل دعاء
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك وصب علينا رزقك صباً صبا ولا تجعل عيشنا كداً كدا
اللهم وهذا مقامنا الأخير في رمضان هذا اللهم إن كان في سابق علمك أن تجمعنا في مثله فبارك لنا فيه وإن قضيت سبحانك بقطع آجالنا وما يحول بيننا وبينه فأحسن الخلافة على باقينا واجعل حوض نبيك موعد تلاقينا وظل عرشك مجمعا لنا والفردوس الأعلى مقرا لنا واجعلنا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا مع عبادك المجموعين في الوادي الأفيح من الجنة للتنعم برؤية وجهك الكريم يا أكرم الأكرمين
تعليقات
إرسال تعليق