خطبة الجمعة ضمانة رسول الله للفوز بموعود الله

الحمد لله مالك الملك ومدبر الأمر، الملك المتعال مصرف الدهر والأحوال، رب العرش العظيم والبر الرحيم، جعل الرحمة اسما له وصفة له وأحب عباده إليه الراحمون فهو أرحم الراحمين وخير الرازقين الغفور الرحيم أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فمن رحمة الله بعباده أن قال لهم تبارك وتعالى ناصحا مشفقا متوددا محذّرا ومنذرا { وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ()  أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } كُثُرٌ هم المتمتعون في هذه الدنيا ولكن متعةٌ دنيا وزينةٌ دنيا لا ترقى لأن تكون متعة كاملة عالية، متع الدنيا سرعان ما تتحول وسرعان ما تُترك وسرعان ما يختلف الورثة عليها ولأجلها فتكون نقمة ويحرم صاحبها الموروث من أثرها إن لم يحفظ له منها شيئا، لذا فهي متعٌ دنيا أي دون المؤمل والمطلوب، أما المتعة الحقة فهي تلك التي أشار إليها سبحانه تعالى بقوله { أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ } ما هو وعد الله يا ترى ؟ لقد وعد الله تعالى عباده الحسنى، وعد الله تعالى عباده مغفرة لذنوبهم وأجرا عظيما مكافأة لهم، وعدهم { غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ } { وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } وعد الله تعالى عباده أن يفرحوا فرحا لا مُكدّر له، تأمل في قوله جل جلاله { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ () وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } وعدهم الله تعالى اللقاء بأحبتهم والاجتماع بهم في غايةٍ من التكريم والتعظيم { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ } هذا بعضٌ مما وعد الله به عباده في الآخرة بعد الموت وفراق الأحبة ولكن أليس للمؤمنين موعدة عند ربهم يتمتعون بها في هذه الدنيا ؟ بلى وهو أكرم الأكرمين فهو سبحانه لا يحرم عباده في هذه الدنيا من خيرٍ أمّلوه وتتطلعوا إليه وسلكوا الطريق الموصل إليه، هو جلّ جلاله إن رأى من عباده سعيا لكسب رضاه أرضاهم في دنياهم وأخراهم { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وعد الله تعالى عباده أن مع كل عسر يسرا وأن اليسر غالب للعسر مهما اشتد وتمكن، وعد الله عباده في هذه الدنيا { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ()   يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً () وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } الجميل المطمئن أن هذه وعود من لا مكره له ولا يعجزه شيء ولا تنقص تلك الوعود والعطايا من ملكه شيء { وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً } ويقول ربنا تبارك وتعالى { أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ويقول جلّ جلاله { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ } وما أكثر الذين لا يوقنون المتشائمون المتكلون على ظنونهم وعلى أنفسهم، يرون الفلاح في رأيهم وسعيهم يجزمون بضياع المستقبل إن لم يحصّلوا شهادة أو فقدت فرصة أو غضب عليهم تاجر أو مسئول، يرون خراب الديار في قرار لا يتأملونه وفي وجود رجال لا يوافقونهم، ويسعون لحمل الناس معهم بشتى الطرق. إننا إذ آمنّا وتيقنّا بوعد الله وأمّلنا وتطلعنا وسعينا للفوز بوعد الله فسنصل بإذن الله ولكن ما هي أيسر السبل للفوز بهذا الوعد، بهذا الأمل، بهذا الحلم الأكبر؟ مع أن السبيل للفوز بتلك الوعود من اليسر والسهولة أن جُعِل تحت قدرة واختيار مريد هذا الوعد فليس مستحيلا عليه وليس مرهقا له ولا مكلفا عليه، بل مضمون له الفوز بضمانة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وللأسف أن الكثير الكثير يفرّط في تلك الوعود والضمانات لهوى في النفس غلب العقل يقول الحبيب المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ} البخاري. هو لسانك أولا، لا تكذب به على أحد، لسانك لا تظلم به أحدا، لسانك لا تسيء به لأحد، لسانك لا تفرق به بين قلبين بنميمة ولا بغيبة، اجعل من غاياتك تقديم الفضل والمعروف لمن حولك في إنكار للمنكر الذي هم عليه، ولا تجعل الإنكار سببا لعزة نفسك ولا انتقاما ممن تساهل في طاعة ربه، لسانك أشغله بذكر الله وبالصلاة على رسوله وبدعوة الناس للحق والهدى. نسأل الله تعالى الثبات على دينه والفوز بسلوك طريق مرضاته والفرح بنيل وعوده كما نسأله جل جلاله ان يبارك لنا في القرآن والسنة وأن ينفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة 


الحمد لله العزيز الحكيم غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين الشاهد المبشر النذير والسراج المنير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله في زمن الفتن حينما يكثر الهرج أي يكثر القتل ويكثر السب والشتم وتكثر الدعاوى بحصر الحق مع هذا أو ذاك، الهرج حينما تختلط المفاهيم وتكون الغلبة للصوت المرتفع لا للحق، الهرج حينما تكون الغيبة هي مادة إحياء المجالس وتفاعلها، حينما يحل الهرج وتريد الفوز بوعود الله لعباده وعود الفرح والسعادة الزم الصمت واشتغل بذكر الله، قد تأخذك الغيرة بناء على عاطفة تجاه حدث ما فترى حقا عليك المشاركة في الطرح فلا يستهوينك الشيطان ولا يستخفنك الذين لا يوقنون الزم الصمت إلا أن تكون قد تأملت وفكرت وراجعت فهم السلف لنصوص القرآن والسنة. واعلم أن القلم كاللسان أو أشد، والنسخ واللصق في مجموعات الواتس أو التفاعل مع تغريدات تجذبك إليها العاطفة بدون تثبت لا يقل خطورة عن انفلات اللسان في مجلس عُمِرَ بالغيبة والنميمة . لقد أخذت العاطفة رجالا ونساء من الصحابة رضوان الله عليهم فخاضوا في الفتن فلما استمعوا للنصح وأعادوا التأمل أدركوا أن عاطفتهم ومكانتهم استغلت بطريقة خفيت عليهم فندموا على مشاركتهم واعتزلوا الفتن مجانبين السياسيين وأعوانهم وخصومهم. عن حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ} البخاري.  ولا شك ان الله غفور رحيم لمن تاب وأحسن العمل ولكن من يضمن هدوء الأنفس بعد إثارتها؟ ومن يضمن التمكن من التصحيح إن تبين الخطأ؟ وإن سفكت دماء أو سلبت أموال أو نيل من عرض مسلم غيبة وشتما بسبب مشاركة منك بكلمة أو نقل فكيف ستكفر عن خطيئتك؟ لا يستهوينك الشيطان ولا يستخفنك الذين لا يوقنون احم نفسك والزم الصمت. عباد الله ما أجمل وعود الله وما أجمل الطمع فيها، ويوما ما سنسمع هذا النداء { وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } تذكر قول الحبيب المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ} البخاري. فانتق لنفسك اليوم المكان الذي تحبه وذلك بحفظ لسانك وقلمك حفظ اللسان سبب حفظ الفرج وحفظ كل الجوارح وحفظ كل محبوب لديك، رفّه عن نفسك بالحديث النافع والمزاح غير الجارح وبذكر الله تلاوة لكتابه وتعظيمه واستغفاره والصلاة على رسوله، جعلنا الله وإياكم وأحبتنا ممن وفق للعمل على كسب موعود الله وثبت على سبيل مرضاة الله ففاز بتيسر أموره ونيل مطلوبه وبلقاء الله ولقاء رسوله وبلقاء أهله من الآباء والأمهات والأزواج والذرية في الفردوس الأعلى من الجنة والتبوء فيها حيث نشاء
ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه بقول ربكم وخالقكم جل في علاه { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل