خطبة الجمعة : من المغانم الإعراض عن اللغو
الحمد لله الملك العزيز الحكيم يقضي بحكمه، ويصرف الأمر بعدله، وينزل القضاء مشمولا برحمته وفضله، أشهد أن لا إله إلا هو وسع كل شيء رحمة وعلما، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله وطاعته، فتلك هي وصية الله لعباده، هي وصيةٌ من لزمها لزمه الخير في كل شأنه وكانت الفرحة عاقبة أمره في دنياه وفي أخراه .
عباد الله في تنبيه وتوجيه من الرحمن الرحيم قال في محكم كتابه {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ () وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ () الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ () وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ () أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ () وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ () إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ () وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } انزعج عليه الصلاة والسلام من إعراض قومه عن دعوته فنبهه سبحانه وتعالى إلى أنهم إنما يتبعون أهواءهم ومتبع هواه لا يستقيم الحوار معه، وغاية المهمة النبوية مع مثله هو فقط توصيل المعلومة واضحة مفصلة بيّنة لعله أن يتذكر والقرار قرار المستفيد بلا كراهية ولا إجبار، وبيّن له جل وعلا أن الدين ليس مرتبطا بأهل مكة وإن كانت مكة مهبط الوحي ومحضن الرسالة ولن تخلو في أي زمن من الإسلام ولا من أهله بينما يمكن أن بعض أهلها يحرم نفسه الإسلام، وإن من البؤس والحرمان أن يحرم المرء نفسه من خير حلّ في بلده وعُمِرت به أرضه، فالفضل ليس لمن سكن الأرض بل لمن أخذ الفضل المنزل بقوة وتمكن منه، وليُطمئن سبحانه نبيه إلى أن هذا الدين سيتم وسيعلو ولو بغير أهل مكة قضى سبحانه بأن يفد إلى مكة وفد من أهل الكتاب قيل أن النجاشي هو من أرسلهم فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بعضا من سورة يس ففاضت أعينهم مما عرفوا من الحق وأعلنوا إسلامهم, فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش, فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب, بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل, فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركباً أحمق منكم, فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه, ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيراً. هؤلاء القوم وهبهم الله الأجر مرتين: مرة لأن لهم عقائد ومبادئ راسخة تحولوا عنها، والتحول إلى عقيدة جديدة يحتاج لصبر بالغ في عملية ترويض النفس على ترك ما اعتادته وأحبته ، وصبروا كذلك على تهجم المعارضين لهم الذين تفننوا في السخرية واستماتوا في التهجم والإساءة، وأظهروا أنهم هم الأفضل رأيا وحجة وثباتا وتطلعا للمستقبل وكل ذلك إنما هو جحودا للحق واستكبارا عليه واتباعا لهوى النفس، ووهبوا الأجر مرة ثانية لأنهم يدفعون عن أنفسهم السوء بصنع المعروف وبمقابلة الإساءة بالصمت، صيانة لأنفسهم ورعاية لمكانتهم ولسمعة ملكهم وبلدهم وحفاظا على أعمالهم الصالحة في ديانتهم السابقة والجديدة من أن تفسد وتضيع في نقاش مع جهلة حاقدين معاندين، إذ النقاش معهم لا يعدو أن يكون لغوا لا ثمرة له إلا القلق والتوتر. فبهذا الصنيع كسبوا الأجر مرتين، والله تعالى يبيّن لنبيه عليه الصلاة والسلام رحمة به أن هذا الدين منصور بإرادته سبحانه وبرجال قبلوا التحول نحو الهدى، وكذلك رحمة بالنبي عليه الصلاة والسلام يؤكد له جلّ وعلا أنه مهما بذل من جهد ونصح فإنه لا يملك هداية أحدٍ حتى أقرب الناس إلى قلبه، لذا فلا يصح منه ان يحمّل نفسه همّ المعرضين ويُذهب نفسه حسرات عليهم، وكذلك يبين سبحانه أن حجة المعارضين والمجادلين في تطاولهم وعنادهم هو ادعاؤهم الخوف على المقدرات والمكتسبات الشخصية والوطنية وهي حجة باطلة لأنه لم يكن لهم دور في جلبها أصلا.
الحمد لله الملك البر الرحيم على ما يسّر وسخّر وقدّر والشكر له سبحانه على ما أنعم وتفضل وعلى ما دفع من شر ودافع عن عباده المؤمنين وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين الموسوم بالرحمة والبر والرأفة بالأولين والآخرين من أمته وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله. فلقد فاز أناس بالجر مرتين لأنهم صبروا في ترويض أنفسهم على تعاليم الهدى الذي يتبعونه، وفازوا لأنهم يدفعون عن أنفسهم السوء بصنع المعروف المادي والمعنوي وبالإعراض عن الجدال الذي لا خير فيه. ولو تأملنا في مجالسنا اليوم سواء المجالس العادية المباشرة أو المجالس الافتراضية عبر برامج التواصل الاجتماعي فسنجد لغوا كثيرا وسنجد إساءات عديدة وحدة في النقاش وبذاءة في الطرح تسفيها للآخرين ولآرائهم، سنجد رجالا تصدروا للنقاش مع كل تغير في شان عامٍ متناولين ذلك الشأن المتغير ما بين مثن عليه ومنتقص له، ستسمع وستقرأ تهجما على أشخاص وتبجيلا في آخرين وكثيرا ما يرتفع الصوت حدة ويقل أدبا لأجل إثبات وجهة نظر شخصية لتبنى من خلال تلك المجالس قِمماً من الوهم لا أساس لها وقناعات زائفة يُروّع بها الناس أو تُعلّق بها آمالهم التي سرعان ما تتبدد مُخلّفة وراءها جبالاً من الألم والحسرات، فكم من اناس أصابتهم أزمات قلبية وتقرحات باطنية وصداع لا ينفك بسبب لغو ولّد خوفا وسبب تفريطا في مغنم ، لغو من قوم لا تاريخ لهم في مجال حديثهم ولا تطبيق منهم لآرائهم، والذين سرعان ما تعلو أصواتهم في طرح جديد حين حدوث تغير جديد يناقض ذاك الذي سعوا لإقناع الناس به وأسكتوا خصومهم دفاعا عنه.
لتفوز بما تحب انتق مجالسك ومجالسيك، انتق مجلسا يزيد في ثراء فكرك ورقي طرحك. تجنب مجموعات الواتس أب التي يكثر فيها الجدال ويتسابق أهلها لطرح المقولات التي تسيء وتروّع، تجنب في تويتر والفيس بوك وغيرها متابعة من يثير جدلا يوّلد في نفسك توترا وقلقا، ولا تسعى لإقناع الناس برأيك فيكفيك انك تعلم صدق ما أنت عليه وأن تعلم أن ذمتك تبرأ بمجرد طرح تطرحه أنت وغيرك توصل به المعلومة لهم وأن تعلم أنه ليس من مسئوليتك حمل الناس على ما تراه حقا. ولا تخشى على المستقبل فإن الخير الحاصل بين يديك لم تجلبه أنت ولم يجلبه أولئك المتحدثون من أي اتجاه. وليس ثمة غرابة في وجود فتّانين ولا متسلقين لمصالحهم عبر مشاعر وأحاسيس من صدّقهم ووثق فيهم بل الغرابة في قوم يتركون نصح ربهم وغيرته عليهم لأجل هوى نفس لم يعهد أنه جلب خيرا، لئن كثر في الناس من يريد ويسعى لتصعد ثروته ووجاهته على حساب مشاعر البسطاء وأموالهم فإن الله تعالى يريد أن يخفف عن عباده فلم يحمّلهم ما لا طاقة لهم به وعامة توجيهاته سبحانه تدعو للاهتمام بالذات أولا ثم بالأقربين والاهتمام بالصالح الديني والدنيوي سواء فذلك سبب من أسباب الفوز بالأجر مرتين وأكثر.
تعليقات
إرسال تعليق