خطبة الجمعة العزة في الإسلام وبالإسلام

الحمد لله ذي العزة والجلال الملك المتعال ذي العرش المجيد الفعال لما يريد أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا
وبعد عباد الله فاتقوا الله الذي يفرح بتوبتكم وبإقبالكم ويبادر لمغفرة زللكم وخطأكم إذا صدقتم التوبة وأحسنتم العودة فلقد خاطب جل جلاله نبيه الحبيب عليه الصلاة والسلام بقوله { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } نسأل الله المنّ بالعون على توبة نصوح تجب ما سبق من ذنوب وخطايا وتصقل سجلا تلوث بالغفلات ليعود مشرقا ناصعا مبهجا.
عباد الله عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.} البخاري. توجه النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته إلى مكة معتمرين وذلك قبل الفتح فردهم المشركون وكادت الحرب تقع بينهم لولا أن الله قضى بصلح الحديبية ومن بنوده أن يرجع المسلمون عن مكة عامهم هذا ويعودوا العام القادم، وبعد عام توجه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته إلى مكة لأداء العمرة وأسموها عمرة القضاء، ومكة لا زالت تحت حكم قريش لم تفتح بعد والكعبة محفوفة بأصنام الكفر من كل جانب، والكفار يحيطون بالكعبة في مجالسهم المعتادة وكانوا يتحدثون عن أهل المدينة محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه تهوينا لشأنهم حتى لا يرى فيهم أهل مكة قوة فيخافون منهم وأنهم ضعفاء لا قوة لهم بسبب فقرهم ومن طول الطريق وبسبب حمى كانت مستوطنة في يثرب وقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام بأن يزيلها الله عن يثرب وينقلها إلى الجحفة ، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم فأمر أصحابه إذا بدءوا في الطواف أن يظهروا بمظهر القوي فيرملوا في الأشواط الثلاثة الأول ويقال بأن الاضطباع أي كشف كتف المحرم في طواف القدوم خاصة كان لهذا الغرض أي لإظهار القوة ولتكذيب من أدعى ضعفهم وسوء حالهم .
وهنا يتجلى لنا الكثير من سمات عزة المؤمن ومظاهرها، عزة في سلام عزة بغير تهور وبغير غرور وتكبر، عزة في الاستقامة وفي أداء الفروض. دخل عليه الصلاة والسلام مكة مسالما ومعه قوة عسكرية تؤهله للدخول في معركة مضمون كسبها وفق المعايير العسكرية، ومع ذلك التزم بالاتفاقية وأدى عبادته في ظل وجود ما يكرهه وهو حكم الكفار لمكة ووجود الأصنام حول الكعبة، وأمر أصحابه أن يستعرضوا بقواهم البدنية حيث لا يصح حمل السلاح في الحرم ليبين للعدو مقدرته وقدراته وأنه إنما تركهم احتراما لمواثيق بينهم إضافة لرغبته في عدم دخول الحرب دام أن هناك مجال لعدمها .
ومن خلال هذه القصة نستطيع أن نحدد بعضا من سمات عزة المؤمن؟
أولها الفخر بالإسلام حيث لا امتهان للإنسان ولا خضوع منه لإنسان مثله ولا لما صنعه بيده وحيث الروح الآمنة الراقية بصلتها بخالقها.
والسمة الثانية لعزة المؤمن الثقة في وعد الله وما عنده فلا يصاب المؤمن بالإحباط وإن اضطر للمراجعة والتأكد من صحة الطريق الذي هو عليه.
والسمة الثالثة هي الاستقامة على طاعة الله فإن العزة الحقة هي في الترفع عن الخطيئة فحينما تتيسر لك المعصية ثم تتركها ترفعا عنها وتنزيها لدينك أن يقع أحد من أهله في مثلها فأنت العزيز في نفسك وعند ربك وفي نظر من هم حولك.
والسمة الرابعة الظهور بمظهر القوة والعزة واستعراض القوى في مواطن الاستعراض ومناسباته { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } ما استطعتم من قوة يكون العدو مجبرا على احترامها والخوف منها، ولهذا كان المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.
السمة الخامسة أن عزة المؤمن سبب للاجتماع والائتلاف ذمّ الله تعالى الكفار بقوله { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } فعزتهم تكبر وتجبر وظلم وطغيان وتهور نتيجته الخلاف والشقاق والخيبة وعزة المؤمن بخلاف ذلك. عزة المسلم في انتسابه لدينه وعدم التهاون فضلا عن التخلي عن الفروض والواجبات، عزة المسلم في إظهار قوته لا في الاغترار بها والدخول في مواجهة لم يضطر إليها، عزة المؤمن في جمعه للصف لا في نشوة رفع الصوت وتجهيل أو تبديع أو تفسيق أو تكفير المحاور وإسكاته ولذلك جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُون، وَلاَ خَيْرَ فِيمَنْ لا يَأْلَفُ وَلاَ يُؤْلَفُ. اللهم أعزنا بالإسلام وأعز الإسلام بنا واجعلنا ممن رضيت قوله وعمله فأحللت عليه رضاك 

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ورضاه واصلي واسلم على النبي المجتبى والحبيب المصطفى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد عباد الله يحب الله من عباده معرفة مظاهر العزة الحقة والظهور بمظهرها. عاب جل جلاله وسخر من المنافقين بقوله تعالى { يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} عاب سبحانه عليهم وسخر منهم لأنهم لفرط جهلهم لا يدركون كم هي عزة المؤمن ولا يعرفون ما هي مظاهر هذه العزة، ووصفهم بأنهم لا يعلمون ولم يقل إنهم لا يفقهون لأن مظاهر العزة لا تحتاج لكثرة تأمل لتُعرف بل هي بارزة لمن يريد أن يعرف، فاحذر عبدالله أن تشابه المنافقين وتعرّف لمظاهر العزة التي أحبها الله منك وأجبها عليك .
عباد الله وفي ظل أحداث مؤلمة عاشتها الأمة وفي ظل طغيان فكر قاصر أو مغرض أوُّلت كثير من النصوص القرآنية التي تتحدث عن عزة المؤمن إلى جعلها سببا لنفي الإيمان عن طائفة من الناس، جعلوا الاتفاقيات الدولية امتهان للإسلام والمسلمين وتناسوا ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرغم من أنهم يرون ثمارا عظيمة لتلك الاتفاقيات أهمها إمكانية الدعوة للإسلام وفتح مجالات اقتصادية وعلمية وطبية وعسكرية متعددة مع دول مسلمة وكافرة ما كان هذا ليتيسر لولا تيسير الله لتلك الاتفاقيات وإن استفاد العدو منها، قصرت بعض الأفكار فأوجبت الجهاد وبذل الأنفس حماية للأرض المنتسبة للإسلام وإن كان الشرك ضاربا أطنابه فيها فجعلوا الجهاد للأرض لا للدين وأمور عدة حُمّل فيها المسلم البسيط ما لم يحمله الله إياه ولا يحتمله هو أنتج ضررا على المسلمين قبل غيرهم.
في ظل هذا كله جاءت عزة المؤمن لتجمع الأمة على حرب الرافضة في اليمن في ظل تخوين ودعاوى ذلّ ملئت الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ثم جاء الاجتماع في تحالف إسلامي عسكري تمت الدعوة إليه وجاءت الموافقة عليه بسرعة لم تدركها وسائل الإعلام ولا وسائل التواصل الاجتماعي بالرغم من وجود خلافات سياسية لا تخفى ، وها هي مناورات رعد الشمال تعطي صورة أجمل للوحدة الإسلامية إذا دعي إليها وتعطي رسالة ترهب أعدائنا وآخرين من دونهم، وهاهي خيرات الله تتوالى لم تنقطع وإن تراجعت في جانب إلا أن فضل الله يعود بها إلى حال أفضل فحمدا لله وشكرا، أحداث عدة مبشرة تدعو للعزة وللتفاؤل وتبين للمؤمن أن العزة الحقة ليست في تهور ولا في رفع صوت ولا في تباهي كاذب، عزة في حماية المقدرات لحين حاجتها وليس في تعريضها للتدمير بلا مبرر كما حدث مع دول عربية ملئت الإعلام تباهيا بقدراتها فأصبحت أثرا بعد عين. فلنتفاءل ثقة بربنا ونعمل لتحصيل دنيانا وفق ثقتنا وتفاؤلنا، وأصدق دليل على عزتنا وثقتنا في ربنا هو استقامتنا وثباتنا على ديننا وافتخارنا بنبينا الذي قادنا نحو عزتنا فنتمسك بسنته وندعو إليها بقولنا وعملنا، جعلنا الله من إخوانه وأحبابه وإن من أسباب اللحاق به والفوز بإخوّته الإكثار من الصلاة عليه في يومنا هذا وفي كل يوم يقول عليه الصلاة والسلام : من صلى على حين يصبح عشرا وحين يمسي عشرا أدركته شفاعتي يوم القيامة.
اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى أزواجه وذريته وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وصل اللهم علينا وعلى والدينا وأزواجنا وذرياتنا وسائر من أحبنا فيك ومن أحببناه فيك 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل