خطبة الجمعة رؤية معاصرة من حديث أفتان أنت يا معاذ
الحمد لله رب العالمين الملك البر الرحيم رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد ان محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله بعثه بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا فحمل الرسالة استجابة لأمر ربه وبِرا ورحمة بأمته فبلغ الرسالة وأدى الأمانة اللهم فصل عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ومراعاة مراقبته واطلاعه ومراعاة كتبته من الملائكة الذين لا يغادرون صغيرة ولا كبيرة إلا وثقوها، بادروا للتوبة تمحو كل خطيئة وتُفرحِوا ربكم بجميل صنعكم وتأملوا قول ربكم { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } جعلنا الله من التوابين الأوابين ورزقنا خشيته في السر والعلن وفي كل الشأن وتفضل علينا بالمغفرة والأجر. عباد الله معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه شاب من شباب الصحابة فطن حريص يتعلم بالملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم والاستماع له والاقتداء به حتى أنُزل في قلب النبي صلى الله عليه وسلم حبه والثقة في علمه وحكمته ووصفه بأعلم الأمة بالحلال والحرام، هو من بني سلمة القوم الذين يسكنون في أطراف المدينة ويعمل عامتهم في الفلاحة أو الرعي وكانت المدينة على موعد مع عدوها الذي تجهز لغزوها وذلك في غزوة أحد، كان معاذا يصلي فريضة العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم وقيل المغرب ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم العشاء نافلة له، وهم يقدمونه لعلمه ولمنزلته عند النبي عليه الصلاة والسلام، ولك أن تتخيل القوم الذين يكدون طوال النهار ينتظرون إمامهم ليصلي بهم، ذات ليلة أخّر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء وبعد الصلاة انطلق معاذ رضي الله عنه إلى قومه ليؤمهم فاستفتح بالبقرة، والقوم متعبون سهرون وكان من بينهم فتى يقال له سليم _ يعمل على النواضح أي إخراج الماء من الآبار عبر الجمال _ فلما أطال بهم قطع الرجل صلاته وصلى لوحده ثم أخذه جمليه وذهب ، فلما قضيت الصلاة أخبر معاذ بخبره فقال: هو رجل فيه نفاق وإني مخبر النبي بذلك، فأُخبر الرجل بما قال معاذ فقال: وأنا آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال الرجل: يا رسول الله إن معاذا يطيل المكث عندك ثم يأتي يصلي بنا وإننا قوم أهل نواضح نعمل بأيدينا فاستفتح بالبقرة وأطال فانصرفت وصليت لوحدي، وهو يزعم أني نافقت فالتفت عليه الصلاة والسلام ناحية معاذ وهو مغضب فقال: أفتان أنت يا معاذ؟ أينك عن سبح اسم ربك والغاشية والشمس ونحوها؟ ثم التفت عليه الصلاة والسلام ناحية الفتى وَقَالَ : كَيْفَ تَصْنَعُ يَا ابْنَ أَخِى إِذَا صَلَّيْتَ ؟ قَالَ أَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ وَإِنِّى لاَ أَدْرِى مَا دَنْدَنَتُكَ وَلاَ دَنْدَنَةُ مُعَاذٍ. - أي أن تلاوتك وتلاوة ودعاء معاذ غير مفهومة لدي فهي أشبه بالدندنة - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنِّى وَمُعَاذٌ حَوْلَ هَاتَيْنِ ندندن. – أي حول سؤال الجنة والنجاة من النار ندعو - وبالرغم من معاتبة النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ وإقراره الفتى على صنيعه إلا أن في قلب الفتى حسرة هو مؤمن فكيف يوصف بالنفاق؟ تلك الكلمة التي تعني الانتقاص وتدعو للإقصاء والنبذ والترك والتي تساهل الكثير اليوم فيها وفي أخواتها وصفا لكل من خالفهم الرأي، قال الفتى: ولكن سيعلم معاذ إذا قدم القوم، أي قريش التي تجهزت لغزوهم، فلم قدمت قريش وتواجهوا في أحد استشهد الفتى في إثبات منه لصدق إيمانه وصدق دعائه فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لمعاذ: ما فعل خصمي وخصمك؟ قال: يا رسول الله صدق الله وكذبتُ استشهد – أي كذبت في وصفي له بالنفاق - هنا انتهت هذه القصة التي سمعناها كثيرا ولست بصدد أحكامها الفقهية، ولكنني حينما قرأتها كاملة واستحضرت مضامينها ودقيق معانيها تذكرت هذا الخراب العربي الذي حلّ بأمتنا، فقلت لو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم؟ لو لم يوجد ذلك الحاكم الذي لم يحاب فتى هو من أحب الناس إليه لأجل الحق الذي نطق به فتى لا يعرف حتى اسمه فضلا عما قد يفهمه البعض من سوء أدب في حديثه ؟ لو لم يوجد ذلك القائد الفذ الذي أزال التوتر في نفس الفتى الذي لا يُعرف بأن تلطف به غاية اللطف قائلا له يا ابن أخي، ورفع من قيمته حينما قال أنا ومعاذ مثلك نطلب الجنة والنجاة من النار، القائد الذي جعل خطأ أحد أصحابه خطأ له فقال خصمي وخصمك، فلم يعرف عنه عليه الصلاة والسلام التبرؤ من أفعال أصحابه إلا في قتل من تلفظ بالشهادة، القائد الذي يشعر بكل فئات مجتمعه فيراعي ظروفهم وأحوالهم لا يكلفهم ما لا يطيقون، لو لم يكن هناك مرجعية يرجعون إليها تحتوي خلافاتهم وتوازن بين مستوياتهم الفكرية والبدنية والمالية ويصدرون عن قولها، لو كانت هذه الحادثة في ناحية بعيدة عن المدينة واختلف الفتى مع أحد العلماء أو الكبراء، أكانت الحكاية ستنتهي هكذا؟ أم سيكون هناك خراب يشغل الناس ببعضهم ويشمت فيهم عدوهم؟. حفظ الله لنا نعمته وزادنا من فضله وواقنا برحمته شر كل ذي شر يتربص بنا وبارك لنا في القرآن والسنة ثبتنا اللهم عليهما وانفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة.
تعليقات
إرسال تعليق