خطبة الجمعة فضل ذِكر الله وأهميته
الحمد لله رب السموات ورب الأرض رب العالمين الملك المتعال العظيم المتفضل برحمته وكرمه ومنّه أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له الغني الكريم وأشهد ان محمد عبده ورسوله النبي الأمي سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله الذي وصّاكم حبا منه لكم بما يقربكم ويرفع شانكم ويصلح أحوالكم وصّاكم سبحانه بتقواه في السر والعلن من خلال استشعاركم قربه منكم واطلاعه عليكم ومن خلال علمكم أنكم بذكره تكسبون ذكره لكم لقد أحب الله تعالى منكم الإكثار من ذكره بألسنتكم كما هو بقلوبكم { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ () فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } فشكر نعمة الإسلام ونعمة وجود القرآن ونعمة رقي النفس وإيمانها أن نذكر الله ففي ذكر الله خيري الدنيا والآخرة، نجد في كتاب الله الدعوة بكثرة إلى ذكر الله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا () وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } وَعَدَ اللهُ الذاكرين والذاكرات المغفرة والأجر وقال تعالى { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } بذكر الله يكون السبق عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ : هَذَا جُمْدَانُ سِيرُوا سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ، قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا والذاكرات } مسلم. بالذكر تقال العثرات وتغفر الزلات وتعلو الدرجات عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى. قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى. قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. الترمذي وأحمد وابن ماجة وصححه الألباني. بذكر الله تكون الحياة قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ} البخاري وعند مسلم: مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ. وتعالوا بنا نستمع لهذه الأحاديث العظام ونتخيل حالنا وقد فزنا بما فيها من العطايا الجسام عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثا مني ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا. فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة } مسلم وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، إِلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ.} مسلم. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ } متفق عليه. ما أجمل تلك الحال التي تسرح فيها النفس متخيلة ربها يباهي بها الملائكة ويذكرها في نفسه المقدسة مثنيا عليها أمام ملائكته تخيل ربك وخالقك ينزل الملائكة لأجل مجلسك واهبا الرحمة والسكينة لك ولمن جلس معك، تخيل الملائكة وهي صافّة مع عباد الله حال ذِكر الله. بالذِكر تكون طمأنينة القلب التي جرت العادة أن يفقدها كل من نزلت به ضائقة وكربة فترى الذاكر على صعوبة الحدث النازل به وقسوته تجده بمساعدة هذا الذِكر هادئا مطمئنا واثقا أن فرجا قريبا ينتظره وأن عوضا طيبا سيخلف ما فقده { الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } يحب الله تعالى من عباده أن يذكروه فيسر لفظ الذِكر وقرّبه وجعله متاحا في كل وقت وعلى كل حال عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ} متفق عليه. وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت } مسلم. عن جويرية : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال ما زلت على الحال التي فارقتك عليها ؟ قالت نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته } مسلم. هي ألفاظ محدودة يعظم القلب مضمونها ويعتاد اللسان نطقها محبوبة عند الله ومن اعتنى بمحبوبات الله أحبه الله وأرضاه وقرّبه وأعلى درجته
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله لا أحصي ثناء عليه كما أثنى هو على نفسه وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وإمامنا الداعي البشير والسراج المنير محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ : مَنْ قَالَ : سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ. متفق عليه.وعَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيَّانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ وَقَالَ الْآخَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَمُرْنِي بِأَمْرٍ أَتَثَبَّتُ بِهِ فَقَالَ لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. عباد الله يريد الله بنا اليسر ولا يريد العسر يريد سبحانه أن يخفف عنا يريد سبحانه أن يتوب علينا ولذا فإنه تبارك وتعالى وجلّ في علاه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له. حاجات الدنيا وحاجات الآخرة كلها ستأتي طائعة إن ذكرنا الله، وكرب الدنيا ستُحل إن ذكرنا الله، والقلوب المتوجعة ستهدأ وستهنأ إن ذكرنا الله، ورد في الأثر من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. وذكر الله يكون بالصلاة كما قال سبحانه { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } أي لتذكرني فالصلاة أسمى وأعلى مواضع الذكر وهي حرية أن يسمع فيها الذكر ويقبل الدعاء فيها أكثر من غيرها هي التي قسمها الله تعالى بينه جل وعلا وبين عباده فما أتى فيها من ذكر فالله يقابله بثناء على عبده وما أتى فيها من دعاء فهو سؤال من المصلي لربه وللسائل ما سأل، ويكون الذكر بتلاوة القرآن فإنها عون وعوض وشفاء ورحمة وذكر مستمر لا يُمل ولا يتوقف سيل حسناته، ويكون الذكر أيضا بالاستغفار والتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد ويكون الذكر كذلك بالاستماع لخطبة الجمعة ألست ترى الملائكة تحف أبواب المساجد منذ الصباح تسجل الداخلين للمسجد بحسب وقت دخولهم فإذا دخل الخطيب طوت صحائفها وجلست تستمع الذِكر ولأننا أحوج لحسنات منها فنحن أولى أن نبادر للاستماع ولكي ندخل في قائمة المسجلين يوم الجمعة ويكون الذِكر أيضا بالصلاة والسلام على رسول الله فإن في الصلاة والسلام على محمد بن عبدالله عبادة وراحة وصلة وهدية نتحدث عنها يوما ما بحول الله روى البخاري عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ فَقُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
تعليقات
إرسال تعليق