من فوائد الشتاء ظهور آثار الإيمان الحق
إن للمسلم في كل شأنه وفي كل مراحل عمره وفي كل
ما يمر به عبرة وفرصة يفترض أن يستفيد منها ليتقرب بها ومن خلالها إلى ربه، ومما يمر بالمؤمن فصول السنة المختلفة وهذا الشتاء ببرده هو أفضلها ففيه تتجلى الخِلال الإيمانية بوضوح لدى العبد نفسه ولدى غيره من أفراد مجتمعه، والله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده وأهم هذه النعم نعمة الإيمان الذي يقود النفس ويحملها على التقرب إليه سبحانه، فالله يحب أن يرى أثر الإيمان على عبده في الاعتبار بكل آية وفي عدم تخلفه عن طاعة ولا تقصير في واجب مهما قسا البرد واشتد.
وتبدأ مظاهر الإيمان تظهر على العبد بإدراكه بهذا البرد الشديد شدة العذاب بالزمهرير الذي يعد البرد في هذه الحياة أحد نفسي جهنم والعياذ بالله عن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ} متفق عليه.
كما يدرك المؤمن بهذا البرد الذي أنسى كل حًرٍّ مر بنا وجعله كأن لم يمر أصلا أن الآخرة كذلك ستنسي الدنيا ولن يبقى من ذكراها إلاهذا التعارف بيننا وما قدمنا لأنفسنا.
ومن آثار الإيمان في الشتاء الفوز لمن رغب بفرح الله وإعجابه ورضاه فحينما يشتد البرد ليلا ويكون الفراش دافئا والنائم في أفضل حالات النوم ثم يترك ذلك لأجل صلاة الفجر فإنه في منزلة عند ربه قد يكون غافلا عنها، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجب ربنا - أي نظر بإعجاب وفرح - من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته فيقول الله جل وعلا لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، الحديث} ابن حبان والبيهقي وأحمد وصححه لأرناؤوط.
ولك أن تتخيل فوزك كل ليلة بالفرح والإعجاب الإلهي بسبب استيقاظك وإيثارك القدوم للمسجد للصلاة على دفء الفراش ولذة النوم، كما لك أن تتخيل أي خسارة خسرها من ترك رباً يفرح بقدوم عباده وترك رضا ربه لأجل إرضاء نفسه الأمارة بالسوء.
كذلك من آثار الإيمان حين اشتداد البرد إسباغ الوضوء على الأعضاء في حالات تكره النفس مرور الماء على أطرافها ولعظم هذا العمل أي اسباغ الوضوء فإنه من أبرز المسائل التي تتناقش الملائكة حول عظيم ثوابها عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتاني ربي في أحسن صورة فقال يا محمد قلت لبيك ربي وسعديك قال فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت ربي لا أدري فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما بين المشرق والمغرب قال يا محمد فقلت لبيك رب وسعديك قال فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت في الدرجات والكفارات وفي نقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في المكروهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة ومن يحافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه} أحمد والترمذي وصححه الألباني.
فأسبغ الوضوء مهما اشتد البردُ وبرَدَ الماءُ فإن قسوة الطقس لا تبيح ترك جزء مما يغسل في الوضوء بدون غسل واحرص على المشي حين القدوم للصلاة واجعل برنامجك اليومي ومشاويرك الخاصة مرتبطة ومرتبة بحسب أوقات الصلاة، تفز بالدرجات الرافعات لمنازلك وتفز بالكفارات الماحية لذنوبك وخطاياك فالشتاء مهما قسا فهو عامرٌ بالخير والبركة إذ الحياة الحقة هي الحياة الآخرة يقول جل جلاله { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }
وفي الشتاء تكثر عادة أمراض الانفلونزا وتصاحبها الحرارة وتُقعد بالمرء لشدتها أحيانا وليعلم المسلم أنه مطالب حينها بالبحث عن علاج لها ومطالب بعدم التسخط منها فإنه قد يكون معها في عبادة وهو لا يشعر، إذ هي كفارة لخطايا المؤمن إن نزلت به فلم يتسخط عن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّـهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا! فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الحُمَّى؛ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ظهور الألم وآثاره والضيق والإنزعاج منه لا يبرر السبّ والتسخط لأنه ينافي مظاهر الصبر الجالب للأجر.
عباد الله برد الشتاء كما وصفه الفاروق رضي الله عنه بقوله إنّ الشتاء قد حضر، وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعارًا ودثارًا فإنّ البرد عدوٌ سريعٌ دخوله بعيدٌ خروجه.
وقد وصفت العرب البردُ بأنه أحد الكافرين اللَذين هما الجوع والبرد، وسموا الشتاء بالفاضح لأنه يفضح أحوال الفقراء المتعففين فلا يملكون إخفاء فقرهم وقلة ذات يدهم وقد قيل أيضا اتقوا البرد في أوله وتلقوه في آخره، فيفترض في مثل هذه الأجواء اختفاء الملابس الصيفية تماما لما تسببه من عكس لضوء الشمس وجلب لبرودة الجو.
وكذلك في الشتاء تستطاب النار للتدفئة وللمتعة بها والنار عدو كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ اللَّيْلِ فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ } متفق عليه. ولا زلنا نسمع ويتكرر على مسامعنا حوادث مفجعة جراء ترك النار مشتعلة أو النوم بقربها وقد خمدت شعلتها وبقي رمادها فمهما كانت النار ممتعة في الشتاء فهي باقية على عداوتها إن غفل عنها فاحذروها حفظنا الله وأحبتنا من مكروه وبارك لنا في كل ما أنزل و وقانا الشر وأسبابه وأهله إنه ولي ذلك والقادر عليه ثم صلوا وسلموا على نبيكم وحبيبكم الذي أحبكم وتمنى رؤيتكم محمد بن عبدالله اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه
تعليقات
إرسال تعليق