خطبة الجمعة بعنوان خذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم معكم
الحمد لله الملك العزيز الحكيم غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله وصفيه وخليله سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فأوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته وامتثال أمره يقول جل جلاله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
عباد الله دوما يُتبع حين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قول وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، فبمجرد أن يسعى المسلم للاهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في أي شأن من شؤونه الخاصة أو العامة فإنه يدخل في قائمة الفائزين بهذا الدعاء الذي يردده ملايين المسلمين يوميا.
ولقد اعتنى المسلمون منذ العصور الأول للإسلام بهذا الخلق خلق الاهتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يسألون عن أخباره ويجمعون أقواله وأفعاله يبحثون في دقائق حياته كما يبحثون في عمومها ويدرسون أسلوب تعامله مع كل الأحداث التي تمر به سواء في خاص أمره أو عامه مع الأسرة أو مع الرفقة أو مع سائر من يلتقي به، وألفت في ذلك مؤلفات عدة من أشهرها وأشملها كتاب السيرة لابن هشام وكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم رحمهما الله، كانوا يسعون إلى أن يتعاملوا مع أنفسهم ومع غيرهم متتبعين نهجه عليه الصلاة والسلام ما وسعهم الأمر، فالاهتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم يعني مصاحبته ومرافقته والتتلمذ على يده، وبالتالي جلب الرضا الإلهي وجلب السعادة والسلامة في الدارين في الدنيا قبل الآخرة، يتتبعون خطاه ويبحثون عن منهجه لأنهم يتمنون أن يكونوا من تلك الزمرة المميزة الذين تحفهم الملائكة وتتقدمهم تفتح الطرق لهم نحو حوض النبي حيث هو واقف عليه الصلاة والسلام ينتظر كل من سار على نهجه واهتدى بهديه إضافة إلى أن الاهتداء بالهدي النبوي هو أمر إلهي وليس مجرد اختيار { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }
وإن في تصفح الكتابين السابقين لنقلة تاريخية تختصر الزمن وتتخطى تلك القرون الطوال بينك وبين نبيك عليه الصلاة والسلام فتجعلك تعيش ذلك العهد الفاضل وتصاحب ذلك الجيل المفضّل، وإن توّج ذلك التصفح وتلك المصاحبة بالاهتداء بهديه عليه الصلاة والسلام وباستقاء ذلك الخلق العظيم ليكون المرء مسلما في كل شانه كانت الغنيمة والمغنم أنك أخ لنبيك وإن طال الزمن بينكما، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام بعث معلما للكتاب والحكمة ومزكياً للنفوس المؤمنة ليس فقط لجيله الذي عاش معه بل لكل من آمن به وأحبه واتبع نهجه في كل زمان كما قال تعالى { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) فإن حياته كانت كالكتاب المفتوح لا خصوصية فيها ليستمر ذلك التعليم وتلك التربية، وإن تصفحت سيرته فستجد له صلى الله عليه وسلم نهجا سهلا صحيا محبوبا في كافة شؤونه الحياتية في الحرب وفي السلم في الجوع والقحط وفي الرغد والسعة في الخوف وفي الأمن في صلته بربه وفي صلته بالناس في نفسه ومع أهله هو أنموذج فريد لكل من أراد السعادة، ألست ترى كيف كان بيته أفقر بيت في المدينة بينما هو أكثرها سعادة وطمأنينة؟ ذلك لخلقه العظيم الذي امتدحه الله تعالى به ولم يُمتدح أحد من النبيين ولا غيرهم بمثل هذا المديح المطلق نظرا لتفرده عليه الصلاة والسلام بهذا المستوى من الأخلاق { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }. ولأنه سعى إلى أن يكون الناس في مثل خلقه.
ولئن كانت غنيمة الأنصار هي عودتهم بنبيهم لديارهم كما سيرد بعد قليل فلتكن غنيمتنا أن نعود إلى سيرته فنعود به عليه الصلاة والسلام لبيوتنا ولمجتمعنا نأخذه في ذواتنا لنكون نسخة مكررة منه { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لئن كانت المنّة عظيمة على المهاجرين والأنصار بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم بالرغم من الأوضاع المعيشية والأمنية التي عاشوها فإن المنّة اليوم علينا أعظم فمع طيب العيش ويسر الحياة فإن وجوده بيننا لا يتطلب سوى ضغطة زر من جهاز الهاتف أو غيره لتحضر الكتب بين أيدينا.
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على نبي الهدى وعلى آله وصحبه ومن بهديه اهتدى وبعد عباد الله
فبعد غزوة حنين التي واجه جيش الصحابة فيها حربا ضروسا ومعاناة بالغة قبل تحقق النصر وكسب الغنائم قام عليه الصلاة والسلام بتوزيع الغنائم على المسلمين الجدد من قريش وغيرها من قبائل العرب وترك الأنصار لم يعطهم شيئا! ولا يخلو مجتمع مهما كان وضعه من منافقين ومرجفين أهلُ غِيبٍ ونمائم يثيرون الفتنة بين الناس، وفي كل مجتمع مهما طهُر فئة سمّاعة لأولئك، فكثرت القالة فيهم حتى قالت طائفة منهم يغفر الله لرسول الله لقي قومه فأعطاهم وتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فبلغت تلك المقالة النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بجمع الأنصار ثم أَتَاهُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا نَاسٌ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي قَالُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، ثم قال أَلَمْ آتِكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ؟ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟ قَالُوا: بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. قَالَ: أَلاَ تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلاً فَآسَيْنَاكَ، قالوا لا لا نقول، قال أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلاَمِكُمْ؟ أَفَلاَ تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ. فَبَكَى الْقَوْمُ، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقُوا.
عباد الله لئن عدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عودة الأنصار به إلى ديارهم غنيمتهم فإن توفر النسخ المحققة من سيرته غنيمة لأحبته وسببا لمعايشتهم له ولصحابته كما أنها حجة عليهم.
ختاما لمحبي النبي صلى الله عليه وسلم خذوا نصيحته هذه فإنه قال للأنصار بعد حديثه ذاك معهم : إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ. ستبعدون عن مغانم ومناصب ستحرمون حقوقا أنتم أولى بها سيفرض عليكم ما ليس بحق ستجدون معاناة في العيش وأنتم ترون سعة لغيركم لا يستحقونها فاصبروا والزموا النهج النبوي فإن المغنم هو اللقاء على الحوض وليس لعاعة من الدنيا تؤلف بها قلوب البعض ثم تكون حسرة عليهم. خذوا رسول الله معكم واجعلوه حظا وقسما لكم
عباد الله صلوا وسلموا على من دعاكم للصلاة عليه وعلى من أمركم ربكم بالصلاة عليه وعلى من ستكون صلاتكم عليه سببا لشفاعته ولحبه لكم وصلة بينكم وبينه في كل أيامكم وأخصها يوم الجمعة.
تعليقات
إرسال تعليق