الدعاء ودخول العشر الأخيرة من رمضان
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } حق التقوى أن يطاع فلا يُعصى ويُشكَر فلا يكفر ويُذكَر فلا ينسى ، حق التقوى دوام التمسك بأحكام الإسلام أمراً ونهياً ودوام التمسك بتقديم ما يحب الله ويرضاه ومجانبة ما يكرهه وما رغبنا منا تركه ولم يحرمه علينا، يرغب ربنا جل في علاه منا مداومة التقوى ومداومة الاستغفار والتوبة حتى آخر حياتنا علّنا أن نلقاه جلّ في علاه ونحن على ما يرضاه. عباد الله رمضان فرصة الراغبين الفوز بالخير هو مطية من مطايا المؤمنين لمغفرة الذنوب هو سبيل المؤمنين لعتق أنفسهم مما يكرهون ولنجاتهم مما يخافون رمضان هو بوابة تحقق الآمال ونيل المطالب والأمنيات. يقول ربنا جل وعلا { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ () وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } هنا يبين لنا ربنا أن رمضان شهر القرآن وشهر الصيام وشهر الدعاء فالصوم والقرآن والدعاء غنائم رمضان الرئيسة من فرّط فيها فقد خسر خسرانا مبينا حيث فرّط فيما لا يمكن تعويضه. ولنتحدث قليلا عن الدعاء سلاح المؤمن وحصنه الحصين ومطيته التي لا تمل ولا تتعب ولا يخيب من امتطاها ، من كرم الله تعالى أنه لم يأمر بالدعاء فحسب بل بيّن غضبه على من لم يدعوه ويسأله { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } أي يستكبرون عن الدعاء أو يستكبرون عن أن يفردوه جل وعلا بالدعاء فلهم النار جزاء استكبار كما لهم الخيبة والخسران جزاء استكبارهم وتركهم ما أمرهم الله به. الدعاء به تتحقق الآمال، به ينقطع الطريق على اليأس، بالدعاء يتحقق رضا الله، وبالدعاء يكون التوفيق والرضا حليف الداعي المتمسك بالدعاء ، بالدعاء يكون صلاح الأرض { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } وأمرٌ تصلح به حال الأرض وأهلها ألا يقوى على إصلاح حال فرد لزمه وصاحبه ؟ ادع الله بما تحب وأنت تخاف أن يتسبب ذنبك في رد دعاءك وادع وأنت تحسن الظن في الله مؤمل طامع أن الله قد غفر لك ورضيك فقبلك وقبل منك فسيعطيك ويرضيك بل ادع وأنت جازم انك ستعجب يوما ما من الحال التي أنت فيها فهي أفضل مما أملت ورجوت وتخيلت فالله إن رضي رزق بغير حساب، بغير حساب حسبه الداعي وبغير حساب في قدر الثواب والعطاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وإذ أنعم الله على عباده بنعمة الدعاء فإنه سبحانه قد أخبرنا بفتح أبوابه سبحانه وببسطه يديه جل جلاله بالليل والنهار مرحبا بالتائبين متفضلا بما يشاء فلا يتردد أحدٌ في الطلب في أي وقت وكذلك أخبرنا جل وعلا أن هناك أوقاتاً يحب من عباده التقرب بالدعاء فيها ، رمضان من أهمها وحال الصوم آكدها وآخر الليل أرجاها ومع جماعة المسلمين جزما لا خاسر فيها . في حال الصوم يقول عليه الصلاة والسلام : ثلاث دعوات مستجابات : دعوة الصائم ودعوة المظلوم ودعوة المسافر }صححه الألباني. وإذا اجتمع مع الصوم ساعة الاستجابة يوم الجمعة كانت الغنيمة مضاعفة والفوز بها سهل وقريب والتفريط فيها محزن جالب للندم يوما ما . ومن الزمن الفاضل المرجو فيه تحقق الأمنيات ساعات السحر التي تضيع الآن في السهر على لهو باطل لهو لن يفسده أن يتوقف العبد عنه لحظات يتجه فيها إلى ربه حتى ولو كان بين صحبه فلعلهم أن يقتدوا به فيفوز بمثل دعواتهم وإن سخروا منه فاز بأجر الدعوة وبأجر الابتلاء وكان تحقق الدعاء وحصول الطلب آكد وأرجى نسأل الله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته والفوز بمرضاته وبالعتق من النار لنا ولأحبتنا.
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه والشكر له سبحانه على سابغ فضله وإحسانه والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله أيام بل ساعات كلا إنها لحظات وتطل علينا العشر النيرات المباركات عشر ليال فقط إن لم تكن أقل ليال هن أشبه بالوصيفات لليلة العظيمة هن أشبه بالحواجز المانعات لليلة العظيمة ليلة هي خير من ألف شهر ليلة العمل فيها خير للعبد من سائر عمله خلال 83 سنة ليلة هي ليلة تحقق الآمال وتحسين الأحوال ولن تفوز بتلك الليلة العظيمة حتى تستكمل حق الليال العشر جميعا لأنك لا تدري اياهن هي تلك الليلة العظيمة. وحق الليلة العظيمة لتكون من أهلها الفائزين بها أن تقوم مع الإمام في صلاتي التراويح والتهجد منذ أن يبدأ وحتى ينصرف، ما مضى من رمضان كان تهيئة للنفوس وتمرينا وتعويدا لها لتسعى للفوز بتلك الليلة العظيمة حتى إذا أطلت العشر لم يكن للملل ولا للتعب ولا للفتور مدخلا ليوهن القوى وليجلب اليأس والكسل. فيما مضى من رمضان اثبت البعض عنايته بالوقت ولكن وللأسف لم تكن عناية للفوز بل عناية بتلف العمر وتلف الفرص وذلك من خلال متابعة الأئمة ايهم يفرغ من صلاة التراويح قبل غيره ولم يلق بالا لوقت بدايتهم في فريضة العشاء ففرط في الفرض بحجة إدراك الجماعة وما علم أنه خسر قيام ليلة لأجل كسل ومتعة لهو باطل، ومن أنعم الله عليه بإدراك بقية رمضان وبإدراك العشر الأخيرة منه فعليه أن يغيّر برنامجه المعتاد ويجعل الصلاة مع الجماعة هدفه وهمه فإن جماعة المسلمين في صلاتهم وفي دعائهم قوم لا يشقى بهم جليسهم وهم جمعٌ لن يخلو بإذن الله من مصلي لو أقسم على الله لأبره. رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في رمضان يجعل ليله مقسم بين النوم والصلاة فإذا دخلت العشر الأخيرة غيّر برنامجه فجعل الليل كله صلاة وذكر ودعاء وهذا نبيك الذي ينتظرك وبكى شوقا للقياك فحاول أن تتأسى به علك ألا تحرم رؤيته والورد على حوضه فإن من ورد حوضه والتقى به كان رفيقه في الطريق نحو الجنة ونحو فردوسها الأعلى.
ختاما أذكّر بأنه قد مضى من رمضان أكثر من ثلاث مائة وثمانين ساعة فماذا كسبت منها؟ وقد بقي منه على أكثر الأحوال قرابة 300 ساعة فماذا أنت فاعل فيها ؟ وأذكّر بأن صاحب القرآن التالي له إذا أدخل الجنة قيل له ارتق في الدرجات فمنزلتك عند آخر آية تقرأها فاعمل على ألا تقف إلا في الفردوس الأعلى جعلنا الله من أهله ومن لم يكن في رمضان من أهل القرآن فمتى يكون من أهله ؟ كما اذكّر بأن العبد في ظل صدقته يوم القيامة وأذكّر كذلك بآخر ساعة يوم الجمعة فهي ساعة لا يرد فيها سائل يسأل خيرا ولا تفرطوا في التامين على دعاء الخطيب فإن هذه إحدى ساعات الاستجابة أسأل الله تعالى أن يبارك لنا في رمضان وان يعننا على ذكره وشكره وحسن عبادته ، ونسأله سبحانه أن يكرمنا بالحظوة عنده والفوز بمرضاته وأن يجعلنا ممن يفرح بصيامه لحظة فطره ويفرح بصيامه يوم لقاء ربه .
تعليقات
إرسال تعليق