موعظة في ختام رمضان 1436

ها هي طرقاتنا تتوجع من كثرة القتلى على جنباتها وها هي مستشفياتنا تأن من كثرة مراجعيها ومقابرنا كل يوم تستقبل سكانا جددا ومشيعين لأحبابهم، وما ذاك إلا رسائل لنا أننا على ذات الطريق سائرون وإشفاقاً منه صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك } الحاكم وصححه الألباني. وإننا لنجد ذلك حاضرا ملموسا في حياتنا الشخصية فكثيرا ما سوّفنا في تنفيذ بعض المهمات لنجد أنفسنا في حرج حين أدائها بعد أن ضعفت الحال أو قلّ المال، روي أن ملك الموت دخل على داود عليه السلام فقال: من أنت؟ فقال: أنا من لا يهاب الملوك، ولا تمنع منه القصور، ولا يقبل الرشوة، قال: فإذًا أنت ملك الموت، قال: نعم، قال: أتيتني ولم أستعد بعد! قال: يا داود، أين فلان قريبك؟ قال: مات قال: أين فلان جارك؟ قال: مات، قال: أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرٍ، فَقَالَ:مَنْ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ؟"فَقَالُوا: فُلانٌ، فَقَالَ:"رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ. رواه الطبراني وصححه الألباني. اعتبر بمن رحل، اغتنم ما تيسر لك من عمل، اغتنم ما بقي لك من العمر، اغتنم فرصا تمر بك ولا تتوقف. ربنا الذي هو ارحمنا بنا من أمهاتنا كثيرا ما أوصانا بالحذر من تفويت الفرص ودعانا للعناية بالاستعداد ليوم الانتقال وحثنا على المسابقة نحو الجنان. حينما قال تعالى { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }  فإنما يقرر سبحانه وتعالى حقيقة يجب الوقوف عندها ويجب تأملها ويجب أن يعتنى بها، كل نفس ذائقة الموت، وكل نفس تعترض الفتن طريقها إما فتن خير يلهي أو يطغي أو فتن شر تصد عن الحق أو تعجز معها عن العمل، كما يقرر سبحانه أن لكل شيء في هذه الحياة نهاية، الشمس والقمر والسماء والأرض والكائنات الحية بأسرها ستفنى والبشر هم أضعفها وأولى بالفناء منها ، ولئن كانت المخلوقات من غير بني آدم تفنى وتنتهي فذلك لأنها خلقت لغاية انتهت أما الإنسان فقد خلق للعبادة والعبادة أثرها لا ينتهي ولابد من حساب وثمن لهذا الوجود { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } ولو كان الأمر سينتهي بالموت لهان الأمر، لكنه مع شدته وهوله أهون مما يليه من القبر وظلمته، وكل ذلك هين إذا قورن بالوقوف بين يدي الله الكبير المتعال. حينما نقف بين يدي الله ستُحضر أعمالنا بين أيدينا { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } وحينها سنتمنى أن لو زدنا فيما قدمنا لأنفسنا، يحذرنا الله أن نستهين بذلك الموقف يحذرنا أن نغفل عن ذلك اللقاء يأمرنا جل وعلا أن نستعد لذلك اللقاء وكل ما نستعد به للقاء ربنا هو فقط ثقتنا في رحماته جل في علاه لا اتكالا على أعمالنا. وإن أفضل ما يتقي به المؤمن حرج ذلك اللقاء بعد التوحيد وأداء الواجبات هو الإحسان للآخرين وتأمل في آخر آية أُنزلت ألا وهي قول الله تعالى { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ () وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } الإحسان للآخرين بالقرض الحسن وبإنظار المعسر حتى ييسر الله له الأمر أو الصدقة عليه بذلك القرض أعمال بها يتقى ذلك اليوم ، الصدقة كلها خير للمتصدق وبأمر الله هي منجاة له من موقف مهول يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمْ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ . متفق عليه الإطعام والإنفاق والقرض الحسن صدقة والكلمة الطيبة صدقة والابتسامة المُرحِبة صدقة فلا أحد عاجزٌ عن الصدقة وكلٌ عليه أن يقدم ما تيسر له { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } لنعمل عباد الله جهدنا أن نكون من أولئك القوم الذين قال الله عنهم {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } أي عند موتهم تحفهم ملائكة الرحمة تبشرهم وتحمل أرواحهم بفرح وسرور وغبطة جعلنا الله ووالدينا وأزاجنا وذرياتنا وأحبتنا منهم ومعهم بمنه وكرمه
أذكّر عباد الله بذلك الرجل البسيط ربيعة بن كعب الأسلمي حيث يقول: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي سل! فقلت أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذلك ؟ قلت هو ذاك قال فأعني على نفسك بكثرة السجود } مسلم. وهذه الليالي فرصتنا عباد الله لنكسب مرافقة نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم في الجنة نعتني فيها بكثرة السجود نناجي فيها ربنا نسأله ما نريده وما نحتاجه وما نرغب فيه من خيري الدنيا فكل مسألة ليس فيها اعتداء ولا ظلم فهي مسموعة مرفوعة مقبولة ، كما أذكّر بأولئك القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم والذين تُعمر بهم المساجد كل ليلة من ليالي العشر فاغتنموهم واغتنموا دعواتهم، وأذكّر بأن صاحب القرآن التالي له إذا أدخل الجنة قيل له ارتق في الدرجات فمنزلتك عند آخر آية تقرأها فاعمل على ألا تقف إلا في الفردوس الأعلى جعلنا الله من أهله كما اذكّر بأن العبد في ظل صدقته يوم القيامة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل