دروس من الشتاء


يقول ربنا جل وعلا { وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ () وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } أنتم والأرض وما عليها آيات واضحات بينات تدل على علم الله وعظيم قدرته وبديع صنعه جل جلاله { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } تعاقب الشمس والقمر ، تعاقب الليل والنهار ، تعاقب الصيف والشتاء ، تعاقب الحر والبرد تعاقبٌ يدرك معه المؤمن قدرة الله وبديع صنعه ليزداد إيمانا مع إيمانه ويرتقي في مدارج الإيمان ومنازل التقوى حتى يكون محسنا لا خوف عليه ولا يحزن. حلّ علينا الشتاء وقدم بموجة باردة مفاجئة نسينا معها ما كان من حر الصيف وأذى رياحه ولهيب شمسه ، وبحلول الشتاء تحوّلت كراهية الناس للشمس إلى مطلوب ومحبوب لديهم وهذا أمر يدعونا لإدراك حقيقة يفترض أن تجدد الإيمان والصلة بالله هي أن الحياة قابلة للتغير وأن الشدائد مهما اشتدت فإنها ستزول وستعود الحياة جميلة كما كانت بل وأجمل وأن النعم في البدن والمال والوطن إن لم تشكر ويستعن بها على رضا ربها ستتحول وتتبدل. من تبدل الأحوال الجوية ندرك قدرة الخالق جل وعلا على تغيير نظام وهيئة السماء والأرض يوم الحشر { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } وفي تغير الأجواء وتبدل الأحوال كما لو تمر إشارة لقدرة الله جل جلاله على إفناء الخلق وبعثهم كما أنشأهم أول مرة ، وفي حلول الشتاء بقسوته وألم قرصته لبيان على قدرة الله تعالى على أن يعذّب العصاة والمجرمين بالبرد كما يعذبهم بحر النار ، ومن كان من سنته تغيير الأحوال الجوية وتبديلها فإنه قادر على أن يقلب موازين القوى الأرضية ليهلك الظالم وينصر المظلوم وما ذلك على الله بعزيز . حلّ موسم الشتاء وتبدلت الأحوال ونزل المطر فانتشرت البسمات وحل الفأل ولقد كان نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن ويدعو للتفاؤل في كل الشأن، كلٌ تمرُ به الشدائد وقد تضيق به الدنيا حينها وفي الأحوال الجوية رسالة تفاؤل وتحذير بأن كل شيء قابل للتحول والتبدل ولكن لئن كانت الأحوال الجوية تتبدل بأمر الله فقط فإن تبدل الأحوال الأرضية مربوط بالسبب وفعل السبب هو تعبير عن التفاؤل أو التشاؤم فمن تفاءل بتبدل المكروه لم يستسلم له بل يدرس الأسباب ويتنقل بينها حتى يخرج من أزمته، ومن تشاءم اكتفى بالتشكي لدى كل أحد وبالقول عملت ولم ينفع ، وكم من معتقد منحرف أعاق إنسانا عن هدفه وعطّل مسيرته عن أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ } البخاري. في الجاهلية كانت العرب تؤمن بخرافات أعاقت مسيرتها بالرغم من أن سنن الله الكونية تكشف بطلان ذلك المعتقد إلا أن الاستسلام للخرافة كان أقوى وفي الحديث ينبه النبي صلى الله عليه وسلم بألا تترك ما أنت عليه حتى ترى سببا بيّنا تدرك به ما أنت فيه من خطأ أو مقبل عليه من خطر. الفأل الحسن نهج نبينا عليه الصلاة والسلام وذلك لعظيم ثقته بربه ويقينه البالغ بحب الله لكل عبد منيب يرجو رحمة ربه ويكثر من رفع يديه طالبا فضله ، وهكذا كل مؤمن يتخذ من تبدل فصول السنة ومواسمها دلالة على أن دوام الحال من المحال فيتفاءل مهما تشاءم الناس ويتفاءل مهما اشتدت الحال ويشكر ما بين يديه من النعمة لتتبدل إلى الأفضل بدلا عن أن تتحول .
ولئن كانت الأجواء تتبدل والأحوال تتغير فلئن تتبدل وتتحول مشاعر الناس من حولنا وممن بَعُدَ عنا أولى وأسهل وأقرب من تحول مشاعر الناس زيادة ونقصا تحول الإيمان في القلوب نموا أو محوا ، ولئن كانت مشاعر الوالدين حبا وخوفا لا تتحول ولا تتبدل فإن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده يَقبل من أقبل ويتوب على من تاب ويشكر من شكر والمؤمن يتخذ من كل حال تمر به عبرة لتنمية إيمانه وتوثيق صلته بربه
الشتاء صورة من صور العذاب عياذاً بالله تعالى حتى إن الناس عدّوه عدوا فالصيف على حره ولهيبه يكرهه الناس ولكنهم لا يهابونه ولا يخشون ضرا منه إذا توفرت لهم أبسط مقومات الحياة فيه وهي الظل والماء أما الشتاء فكانت العرب تصفه بالعدو لقسوته وتدعو لاتقائه والحذر منه والاستعداد له ومما كانوا يوصون به قولهم ( اتقوا البرد في أوله وتلقوه في آخره ) ففي أول حلوله الأجسام لم تعتاده وهو عدو لها لأنه سيغتالها ويفاجئها من حيث لا تحتسب بخلاف آخر موسمه فالأجسام اعتادته واستعدت له ومن وصايا العرب لاتقاء الشتاء وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرعيته حينما فُتح الشام وحلّ فصل الشتاء هي وصية مشفق خبير تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل وفيها يقول رضي الله عنه : إنّ الشتاء قد حضر ، وهو عدو تأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب واتخذوا الصوف شعارًا ودثارًا ، فإنّ البرد عدو سريعٌ دخوله ، بعيدٌ خروجه.
يجب التفكر في برد الشتاء كيف مرّ على أجيال مضت وعلى شعوب ابتليت به ، كيف نجى منه أناس ؟ وكيف هلك او ضعف أناس ؟ الشتاء عدو من الخطأ والجرم في حق النفس التهاون معه والتظاهر بمظهر القوة والتحمل أمامه فإنه إن سكن العظام كان كالسوس ينخر فيها فيفككها ويفتتها من داخلها حتى تكون هشة ضعيفة عاجزة عن المقاومة تنكسر عند أي تجربة حقة وما انتشار مرض هشاشة العظام لدى الصغار والشباب إلا نتائج سوء التغذية ونتائج عدم الوقاية من البرد. ولولا أن الشتاء عدوٌ خطر لما شرع الله تعالى أحكاما في العبادات تخفف من ضره كالمسح على الخفين وكالجمع بين العشائين أو الظهرين حين المطر أو الريح الشديدة بل ويعفى عن صلاة الفجر جماعة إذا خيف الضرر بالمطر أو بالريح الشديدة . في الشتاء وحين البرد تتجلى رحمة من رحمات الله بعباده ألا وهي التخفيف في العبادة وتغيير صورها حين يصعب أداؤها وهذه دعوة لنجعل الرحمة في قلوبنا تجاه من ابتلوا بمواجهة البرد بأقل الأسباب فنكون عونا لهم على مواجهة هذه الصعاب بما اتاح الله لنا مساعدتهم بهم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل