مع الهاتف المحمول ( الذكي )


الهاتف المحمول ( الذكي ) نعمة من نعم الله تعالى العظيمة اقتناها الصغير والكبير تُعدّ مؤنسة حال الوحدة ومنقذة لمن وقع في مهلكة أو احتاج لمعرفة بها تنقل المشاعر ومن خلالها يتواصل الأحباب وتوصل الرحم ويُعلم الجاهل ويُدفع المنكر ويُسعف المريض والمحتاج ويباع ويُشترى من خلالها ولها منافع عظيمة لا يسع المقام لتعدادها ولسنا بحاجة لذكرها ، هي جزء مما علّمه الله تعالى للإنسان وهي إحدى النعم التي قال عنها جل وعلا { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } . ذلك الجهاز الذي أصبح بيد الجميع الصغير والكبير والغني والفقير والعالِم والأمي هو تقنية حظي بها واقتناها الجميع وأصبحت لدى الكثير كضرورة حياتية لا يُستغنى عنها. ومع هذه المنافع والأهمية لهذه النعمة إلا أنها سلاح ذو حدين يقطع لك وقد يقطعك يٌسعدك أو يكون سببا في شقائك، وكل ذلك عائد إليك وإلى استخدامك له ، هو نعمة من شكرها فقد اتقى خطرها وتنعم بخيراتها. ولشكر النعمة أيا كانت معياراً شرعيا تحدد في قوله عليه الصلاة والسلام : وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ } متفق عليه.

الهاتف المحمول والمعروف بالهاتف الذكي له استخداماته المتعددة مكالمة ومراسلة وتصوير ومشاهدة وقراءة وكتابة بل وبيعٌ وشراء فإما تحدث بخير او دع المكالمة ، صوّر ما فيه الخير وما ليس للندامة من نسبة حضور فيه أو دع التصوير ، اقرأ ما فيه الخير أو اترك ، مارس خدمات هذه النعمة فيما يؤدي لخير عليك وعلى من حولك على صحتك وبدنك ومالك تكن شاكرا لها أو اترك تلك الممارسة التي لا تؤدي لخير كذلك تكن شاكرا لهذه النعمة.

بهذا النعمة أعني الهواتف الذكية يتجلى حقيقة ما في القلوب من خشية وإيمان أهو إيمان حق أم إيمان عادة ؟

أهو سلوك يقوده شرع الله والمشاعر الإيمانية في القلب أم تقوده سلوكيات وتوجيهات مجتمعه ؟

ما أجمل أن ندخل البسمة على الأحبة من خلال هذه التقنية بدعوة وتهنئة حين سماع خبر مفرح أو حلول مناسبة عامة، وأن ندخل البسمة بسلام وسؤال عن الحال لمن انقطعت الصلة بهم لظرف ما ، وما أجمل أن ندخل البسمة من خلال طرفة مباحة ومشهد ترفيهي بريء لا يُسيء لشعيرة ولا لأحد من الناس . لقد كثرت الهموم لدى العديد من الناس لأسباب عدة فحقهم علينا العمل على إدخال الهدوء والطمأنينة والبسمة على قلوبهم أو تركهم في حالهم.

إن مما كشفته هذه التقنية للجميع أن الكثير منا بحاجة لزرع الخشية من الله في أفئدتهم فلا يتجرءوا على ما حرّم الله وأن الجميع بحاجة للعلم الشرعي الصحيح الذي يحمي من البدعة والضلالة، علمٌ وخشية يجعلان المرء يتوقف عند المعلومة الغريبة المستنكرة مستفهما عنها وجِلا من نقلها يتردد عند مشاهدة المشاهد التي لا تصح خشية وعلم يجعلان المرء يدرك كم سيلحقه في حياته وبعد مماته من حسنات أو سيئات جراء ما كتبه أو نقله.

ومع هذه التقنية وغيرها في الاتصالات عموما نجد أن قوله عليه الصلاة والسلام : يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ } متفق عليه. قد أصبح واقعاً معاشا، تقارب الزمانُ فصارت الأيام تطوى سراعا والمسافات التي تستوجب زمنا لقطعها قد تغير حالها فأصبح التواصل مباشرا مهما بعدت المسافة، وتبيّن نقص العلم فمع تقنية الاتصالات أصبحت المعلومة قريبة حاضرة ولكنها بعيدة غائبة لأن العلم ضعيف وقليل ، فكم كذب البسطاء على الله وعلى رسوله من خلال رسائل انشر تؤجر التي لُبست لباس التقوى والعظة وقد ملئت كذبا وبهتانا وبدعا وانحرافا ؟ تنقل لهم معلومة شرعية منسوبة لشيخ ما مخالفة لما درجوا عليه ولما تعلموّه في مدارسهم ومن قبل أهلهم ثم يقولون سبحان الله أين نحن من هذا طوال هذه السنين فيبادرون لنشرها حبا للخير لغيرهم ولو راجعوا لبرنامج لا تخلو منه اجهزتهم للتأكد من صحة الأحاديث أو رجعوا لموقع الشيخ المذكور لو جدوا بهتان ما نُسب إليه وكذب ما نقل إليهم وجرمهم فيما نقلوه لغيرهم. وفي برامج التواصل تجلى الشح وهو البخل والحرص البخل بكل بِرٍ ومعروف والحرص على المصلحة الشخصية بجلب مال أو جاه أو بالإساءة لفلان حتى يتركه الناس ويأتون إليه. والهرج أشهر وأبيّن من أن يوضّح تأمل الحال فكم أرجفوا في البلد وروعوا الآمنين بأخبار كاذبة وإشاعات مهوّلة ؟ العذاب العربي الذي فرّق الناس ودمّر البلدان وأشمت الأعداء إنما كان بسبب الهرج عبر هذه التقنية والهرج يعني ارتفاع الأصوات بكلام قد لا يُفهم أو لا يُفهم غاية المتحدث لحاجة في نفسه وهذا ما قاد الناس للاقتتال فيما بينهم . نعود لمعيار شكر النعمة من عدمه والذي سبق ذكره وهو قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ } متفق عليه. فالمعيار إما قدّم خيرا أو اترك ، انظر للشباب من الجنسين بل وللشيب أحيانا كم ضيّعوا من مصالح شخصية لهم دراسية أو وظيفية وقبل ذلك عبادات ضاعت جراء الانسياق وراء هذه الأجهزة ، كم من حالة طلاق أو فراق بين زوجين جراء التساهل في التواصل عبر محادثة بكلام مبتذل وقد تُصحب بصور لا تليق ولا تقبل ، كم من ضرر صحي وقع بسبب إدمان تلك الأجهزة ،  انظر لذلك التسابق نحو نقل مشهد مروّع مؤلم كحادث مروري أو جنائي يتناقلونه للفرجة وإن ادعوّا انه للعبرة فأين العظة والعبرة في صور هي شخصية لأصحاب الحدث ولو وضعوا أنفسهم مكان أهل المتوفى أو المصاب لعلموا حجم الألم الذي صنعوه ؟ كم من تغريدة أعيد تغريدها وتناقُلِها وليس فيها من خير للكاتب ولا للناقل ليس فيها إلا الشماتة بوطنه والإساءة إليه ؟ بالرغم من أن وطنه هو الوطن الوحيد الذي يُحمى فيه التوحيد وترفع فيه راية السنة بلا منافس رسمي لها! الاتصالات وبالأخص الهاتف المحمول كشفت للمرء درجة إيمانه وهي نعمة تحتاج لشكر كي يستفاد منها ويتقى شرها ولعل الله أن يزيدنا بفضله نعمٌ هي خيرٌ منها.  نسأل الله تعالى أن يهبنا الفقه في دينه والخشية في السر والعلن وأن يمنّ علينا وعلى أحبتنا بالحفظ والرعاية في كل الشأن وصلى الله وسلم على نبينا محمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل