دعوة للتفاؤل


في مكة وفي يوم شديدة حرارته والمسلمون قلة ضعفاء لا يملكون من أمرهم شيئا قد أنهكهم العذاب الذي أنزلته بهم قريش فمن حصار وتجويع إلى ضرب وحبس إلى عزلة اجتماعية إلى مشاهد من الإذلال لإخوانهم وأخواتهم يمرون بها يوميا ولا يملكون نصرة حتى ولو بالكلمة جاؤوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة حتى هو لا يملك أريكة يتكئ عليها ولا وسادة يتوسدها عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ } البخاري. هم خائفون فيعدهم الأمن في أشد المناطق توترا وخوفا آنذاك فأي تفاؤل هذا ؟ وأي دعوة للصبر هذه ؟ لم تكن تلك الرسالة بالصبر والتفاؤل من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه كي يتحملوا مزيدا من الأذى ويستكينوا للعدو بل ليواصلوا السير على ذات الجادة لأن المطلوب في نهايتها وما كانت دعوة منه وهو لا يعمل بها فهاهو عليه الصلاة والسلام نازلٌ من جبال الطائف الدماءٌ تسيل من جسده الشريف بسبب الحجارة التي تفانى الجهال في رميه بها مصابٌ بالإحباط نتيجة فقد الأمل الذي كان يرجو وأيضا سيواجه موقفاً يكرهه الجميع هو موقف شماتة العدو والحاسد ومع ذلك حينما جاءه جبريل ومعه ملك الجبال لينفّذ في قريش أمره كان التفاؤل طبعه والعفو سجيته فقال بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده. لقد كان عليه الصلاة والسلام ينظر لشيء آخر يراه بعين إيمانه وثقته بالله تعالى لم تستطع قسوة الموقف الحالي أن تحجبها عنه، إنها رسالة التفاؤل ربى النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه عليها وسابقهم إليها حتى كانت سببا لخروجهم من الأزمات التي تنزل بهم، فإن أحلك الظروف وأقسى الأحداث هي في نظر المؤمن مجرد حدث عارض للكشف عن القدرات والأفكار ومجرد ستارة واهية لا تستطيع حجب المستقبل الجميل عن بصيرته الإيمانية، المؤمن يرى بنور الله ويسير وفق أمر الله ويؤمن بوعد الله ، المؤمن يرى أن الحق لابد أن يسطع بنوره الجليّ والألم لابد وأن يزول والمراد لابد وأن يتحقق ويوقن ان خلف كل محنة منحة عظيمة تنتظره، ولكن لكلٍ حدث موعده وظروفه وأسبابه فيتفاءل بحصول مقصوده. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ اللَّهُ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وفي رواية أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ.

التفاؤل هو أن تعلم وأن تؤمن بأن ما تحبه وترجوه موجود ولكنه ينتظرك ان تسعى إليه من خلال طريقه المرسوم له وأن تجاهد نفسك لمعرفة ذلك الطريق وللثبات عليه.
قد تصاب بمرض أو يحدث لك ضرر قد ينزل بك ألم أو تفقد أمل قد تحبط في وظيفتك أو في دراستك قد يؤلمك موقف من والدك أو من ولدك فتفاءل بتغيير سيحدث وأن الأمر إلى خير واعلم أن هذا المكروه هو لكشف خُلق لديك أو لدى الآخرين حجبته السراء فانتبه له ولا تسمح لليأس أن يقود تفكيرك ولا ان يحجب بصيرتك ليكن حمد الله وشكره ملازم لك مهما تألمت ولتكن رسالة التفاؤل بزوال المكروه وبحلول المأمول صفة لك ولو طال أمد المكروه وليكن منطقك ينبئ الآخرين عن ثقتك بربك مهما اشتدت الحال بك.
كن كنبيك الحبيب عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل الحسن أي الكلمة الطيبة التي تحث على استمرار الأمل وتدعو للسعي لتحقيقه من خلال المجالات المعروفة والتي سار عليها الناجحون وحقق من خلالها المتفائلون تطلعاتهم وآمالهم، واترك الأماني التي ترسم مستقبلا جميلا وتدعو للخمول وترك العمل والاتكال على الأحداث البعيد وقوعها. وحاذر الشرك ووسائله وأسبابه فهو الصارف عن الجادة وهو قاطع السبيل على الساعي نحو آماله وتطالعاته.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل