الابتسامة حق للنفس وحق للجميع


النفس البشرية قد جُبلت وفُطرت على أمور تضطرب إن فقدتها، وتعيش فراغاً مؤلماً إن ابتعدت عنها، وتتشتت اهتماماتها وتظل طريقها إن لم تستوف حقها من تلك الفِطر الحياتية.

الإنسان خلق في كبد أي قامت حياته على البحث والسعي والعناء والمشقة، ولذا فلابد للنفس من نيل ما يخفف عنها آثار هذا الكبد، وما من شيء يخفف الكبد عنها مثل استيفاء ما فُطرت عليه.

وأعظم الواجبات على المسلم هو إعطاء ذوي الحقوق حقوقهم وأولى الناس بالإعطاء هي النفس أولآً ثم الأسرة.  وإن من الأمور التي فطرت النفس عليها ولا غنى لها عنها، فطرةٌ هي عبادة يؤجر المرء عليها، وهي شفاء للنفس من كثير من العلل والهموم، وهي أمان للمجتمع وفاتحة لباب الأمل والتفاؤل لمن يوهبها ويستمتع بها.

إنها فطرة الابتسامة يقدمها المرء لنفسه، ويمنحها لغيره، ويحصّلها من غيره. ما أن يراها أحد من أحد حتى ينزاح همه ويشرق أمله بتحقيق مطلبه فيحل الانشراح وتتعمق المحبة في القلوب لينتج لنا وِداَ وإخاءً يصعب زواله.

الابتسامة لغة ترحيب وتشجيع عالمية يفهمها الجميع على اختلاف لغاتهم وأشكالهم ودياناتهم ولا تحتاج لترجمة في دلالة بيّنة على أنها فطرة فُطر البشر عليها.

عن أَبِي هُرَيْرَة يرَفَعَهُ { إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاس بِأَمْوَالِكُمْ, وَلَكِنْ يَسَعهُمْ مِنْكُمْ بَسْط الْوَجْه وَحُسْن الْخُلُق} أبو يعلى والبزار. بسط الوجه بمعنى حسن تلقي القادم بابتسامة جميلة وبكلمة طيبة.

الابتسامة لا تكلف شيئا وتمنح ما تعجز الأموال عن تقديمه، لأنها تعني الفرح والسرور وتعني الاستقرار والاطمئنان الداخلي، وهي تعني الثقة بالنفس، ويشعر بالثقة كل من قوبل بها، وهي تدل على الشخصية السوية المتزنة المحبة الودودة، كما تدل على القبول والموافقة والرضا. وما أحوج المرء في حياته وهو يكد ويكدح صاعدا سلالم الحياة إلى شيء يعزز ثقته في نفسه، ويزيل عنه أعراض الهم والكد، ينال ذلك كله بابتسامة رضا وتشجيع تقدم له من رئيسه ومن زملائه ومن والديه وإخوانه.

قال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ {  مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ e}الترمذي وصححه الألباني.

كل الصعاب نزلت به عليه الصلاة والسلام فتغلب عليها بابتسامة، صادم الكثير فاحتواهم بابتسامة، أغضبه الكثير وبالابتسامة دفعهم للاعتذار، تردد الكثير فشجعهم بابتسامة، لهذا فالابتسامة حاجة بل ضرورة من ضرورات الحياة يحتاجها الجميع بلا استثناء، ولذا كانت الابتسامة صدقة يتصدق بها المرء على نفسه وعلى أفراد مجتمعه بلا استثناء. عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ eتَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ } الترمذي صححه الألباني.

لقد كانت الابتسامة صفة للنبي eيتصف بها كلما دخل منزله وكلما أراد الخروج منه، وكلما استقبل أحدا قريبا أو بعيدا معروفا أو غريبا فإن الابتسامة تعلو محياه مرحبا ومشجعا عَنْ جَرِيرٍ قَالَ مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ eمُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي }متفق عليه.

والبخيل من بخل بابتسامة تُفرح الآخرين ولا تقلل من هيبته لديهم، ابتسامة تغنيهم عن كثير من المال، ولا تنقص من ماله شيئا. وفرق بين الابتسامة وبين الضحك، فإن الضحك وإن كانت النفس تحتاجه أحيانا إلا أنه لا يشارك الابتسامة خدماتها العامة ولا يوازيها في احتياج النفوس إليها، فالضحك حالة عارضة بينما الابتسامة صفة دائمة، والابتسامة تقدم لكل الناس وفي كل الأحوال ويحتاجها الجميع بلا استثناء، بخلاف الضحك فإنما هو عرض في مجلس خاص لمواقف خاصة، ولئن كان للابتسامة دور في إيضاح احترام الآخرين وتشجيعهم فإن الضحك قد يكون بعكس ذلك أو قد يفهم منه خلاف ذلك. وأيضا فإن الابتسامة تحيي القلوب وتشجع النفوس على الإقدام لأنها رسالة الرضا والموافقة بينما الضحك قد يتسبب في فساد القلب ودنو همته وضعف عزيمته عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ eلَا تُكْثِرُوا الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ} الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني.

ولأن رسول الله eمثالا للشخصية المتزنة فإن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تقول مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ eمُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ} البخاري

وذكر الأطباء في فوائد الابتسامة أكثر من 18 فائدة صحية تعود على المبتسم قبل غيره، منها نشاط الدورة الدموية وتخفيف ضغط الدم، وزيادة المناعة ضد الأمراض والضغوطات النفسية، ومساعدة المخ على العمل بشكل أفضل نتيجة زيادة الأكسجين التي يستخدمها، كل ذلك نتيجة تسرب الهدوء والطمأنينة إلى داخل النفس من خلال بوابة الابتسامة فهي بإذن الله تعالى تحفظ للمرء صحته النفسية والبدنية بآثارها الإيجابية على وظائف القلب والمخ، بل ذكروا أن الابتسامة تساعد الجسم على إفراز مواد تساعد على تسكين الألم، ولذا نجد المريضَ كثير التشكي والتألم يزداد ألما وضعفا، بخلاف من يكثر من حمد الله والثناء عليه ويتلقى الزائرين بابتسامة ترحيب تخفف من خوفهم وقلقهم عليه، فينشرون في المجلس روحا مرحة تساعده على مقاومة ما يشعر به. وقارن بين مريضين مريض يُكثر زوارهُ من الحديث عن هموم المجتمع ومشاكله ومريض زائروه قد ملئوا المجلس دعابة ومرحا، أيهم أحسن حال وأسرع شفاء.

إذا فنحن بالابتسامة نتصدق على أنفسنا قبل أن نتصدق بها على الآخرين. والابتسامة معروف يتفضل به الإنسان على غيره فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ eلَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ} مسلم

عندما ننظر لمجتمعنا اليوم فسنجد صورا أليمة كلنا نعلن كراهيتنا لها، من تلك الصور كثرة الخلافات الأسرية، وقلة الهيبة للمعلمين، ولجوء العديد من أفراد الأسرة أحد الزوجين أو الأولاد إلى خارج المنزل. يقول الباحثون إن سر ذلك يعود لاختفاء البسمة بصورة عامة. فالأب يدخل البيت ناقلا همّ ونصب عمله معه فيأتي بتجهمه ومظاهر التعب يلقيها على أسرته، والزوجة تلاقي زوجها بتعبها ونصبها في البيت وكثرة إزعاج الأولاد لها، والأولاد يقابلون أباهم بمشاكلهم واختلافاتهم، لتحل النُفرة بدل الإقبال والكراهية والامتعاض بدل الحب والفرح، فيكون البيت متجهما طاردا لأفراده. بينما لو ترك الأب أو الزوج هم عمله على طاولة مكتبه ودخل بيته باسما معلنا فرحته باجتماعه بأحبته ومعلنا أنه قادم لحياة جديدة خاصة بأسرته، ولو أن ربة البيت جعلت من الابتسامة علامة الترحيب وعنوان خلو بيتها من المشاكل فاستقبلت زوجها بها، ولو عُوّد الأولاد على استقبال أبيهم حين دخوله بالابتسامة والتهليل، ووجد الأولاد ذكورا وإناثا ابتسامة مشرقة تستقبلهم كلما قابلوا والدهم لكان البيت حصنا يكره أفراده الخروج منه ويشتاقون إليه كلما غابوا عنه. والمعلم لو دخل صفه والتقى بطلابه باسما معلنا بابتسامته ثقته في نفسه وحبه لعمله ولخدمة طلابه لوجد احتراما وتقديرا يلحقه خارج أسوار مدرسته.

فقدنا الابتسامة في كثير من جوانب الحياة فعمت الأمراض العصرية التي تنبع من الهم والقلق كالضغط والسكر، وعمت الفرقة العديد من البيوت حتى كانت نسبة الطلاق نسبة مروعة، واتخذ البعض من الآباء ومن المعلمين ومن وجهاء المجتمع من التجهم مظهرا زائفا للهيبة والجدية، ففقدت القدوة وتفرقت القلوب وأصبح أهل الفسق قدوة حينما جعلوا البسمة صورتهم التي تظهر للناس.

البسمة والبشاشة هي سر القبول الذي تميز به النبي eوالذي هو رحمة الله منّ عليه بها  ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ )) قال ابن القيم في مدارج السالكين عن البشاشة وأهميتها ( فإن الناس ينفرون من الكثيف ولو بلغ في الدين ما بلغ، ولله ما يجلب اللطف والظرف من القلوب، ويدفع عن صاحبه من الشر ويسهل له ما توعر على غيره، فليس الثقلاء بخواص الأولياء، وما ثقل أحد على قلوب الصادقين المخلصين إلا من آفة هناك، وإلا فهذه الطريق – البشاشة حين اللقاء وأثناء المعاملة - تكسو العبد حلاوة ولطافة وظرفا، فترى الصادق فيها من أحلى الناس وألطفهم وأظرفهم قد زالت عنه ثقالة النفس وكدورة الطبع، وصار روحانيا سمائيا بعد أن كان حيوانيا أرضيا، فتراه أكرم الناس عشرة وألينهم عريكة وألطفهم قلبا وروحا وهذه خاصة المحبة فإنها تلطف وتظرف وتنظف) أ، هـ 

 فلنجعل البسمة شعارا لنا نستقبل به أسرنا وضيوفنا وأحبتنا نعلن بها فرحتنا وترحيبنا بهم، ونمنح بها أولادنا حبا وتشجيعا وبها ومن خلالها نظلل بيوتنا ومجتمعنا بمظلة واقية عن كل فرقة وعن كل سلوك مشين، بها نكون عبادا خيرين نافعين وبها نعيش ونكسب قرة عين في كل شاننا ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تدخل بيتك باسما وتخرج منه باسما ولو أن تلقى بنيك باسما فما أسعدك إن انتشرت البسمة في بيتك

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل