رسالة في عشر ذي الحجة

إن من نعم الله تعالى على عباده أن يمد لهم في أعمارهم وأن يهيأ لهم أسباب اللحاق بمن سبقهم وأن يهبهم في حياتهم القصيرة المعدودة ما يعوضهم عن قصر أعمارهم وما يجبر نقصا وخللا لحق بهم وما يضاعف موازين أعمالهم ، فثمة أماكن مقدسة وثمة أزمنة فاضلة وفوق ذلك كله هداية ورشادا وثباتا يحمل النفس على استغلال تلك الهبات. عشر ذي الحجة أيام معدودة ولكنها عظيمة لما فيها من نفحات إلهية تَهبُ وتتنزل من تلقفها وبادرها سَعُدَ في دنياه وفي أخراه . هي أيام أقسم الله بها ويكفي هذا شرفا لها، هي أيام وصفها الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام بأنها أفضل أيام السنة وبيّن أن العمل الصالح فيها وإن قلّ أحب إلى الله تعالى من العمل فيما سواها وكفى بهذا دعوة وحثا وتحفيزا على اغتنامها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فقد آتى هذه الأيام مزية وفضلا وآتى المؤمنين منه أجرا عظيما وفضلا وخصّ من استغل هذه الأيام بنعمة القبول والرضا والاستجابة لكل ما سأل وتمنى . عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ ؟ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ} البخاري
فحمدا لله تعالى نعمته وهبته تكون في بلدك وفي طلب رزقك ثم يكون بيدك أن تنافس من جاهد في سبيل الله بنفسه وبماله ، وإن من الحرمان أن يحرم المسلم التوفيق للعمل الصالح في هذه الأيام فتضيع هذه الهبة الإلهية والمكرمة الربانية في سهر ولهو نوم وغفلة ، ومن أهم العمل الصالح فيها الذِكرُ فقد قال عليه الصلاة والسلام فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ } فالأيام ايام توحيد وتعظيم لله تعالى وإعلان ذلك هو بالتكبير والتهليل والتحميد وبالتلبية للحجيج ، وعلى هذا فالإكثار من التكبير والتهليل والتحميد أولى من الإكثار من التلاوة للقرآن مع فضلها وعلو منزلتها ومع الذِكر المحبوب عند الله يجب حفظ اللسان مما يفسد الذِكرَ ويضعفه أو يعطّله ، وتذكر عبد الله أن أحب العمل إلى الله أداء فرائضه التي افترض عليك وأهمها إفراده سبحانه بالعبادة والدعوة لذلك وأداء الصلوات حيث ينادى بها والزكاة لمن ملك النصاب وحال عليه الحول والحج لمن لم يؤده سابقا وبر الوالدين ، ولأن الزمن فاضل وقد لا يعود علينا فأكثر من صلاة النافلة وبالأخص في النهار عليك بسنة الضحى وبالسنن الرواتب وصلاة الوتر ، وعليك بالصيام ما استطعت فإن الصوم من أحب العمل إلى الله والعشر من أحب الأيام عند الله والصوم مضاعف الثواب فكيف ستكون مضاعفته في أيام يُعظم الله فيها العمل ويُعظم سبحانه قلبا أقبل فرحا راغبا في هذه العشر المباركة ، مما يحبه الله تعالى لك ومنك في المواسم والأماكن الفاضلة برٌ للوالدين بأنواعه والبر هو بسمة تدخلها عليهما في حياتهما ودعوة وصدقة تلحقها بهم بعد موتهم.
ومن أفضل الأعمال في هذه العشر نحر الأضاحي قربة لله تعالى وإحياء لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام ، والأضحية شعيرة من شعائر الله فعظّم الشعيرة يعظم الله لك الأجر ، وهي سنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام فاعتن بسنتهما تفز بصحبتهما ، لا تبخل ولا تتذمر وطب نفسا بها وبما تبذله فيها وأحسن الظن بربك تنل ما تمنيت وأفضل . ومن العمل الصالح في هذه العشر لمن أراد ان يضحي الكف عن أخذ شيء من الشعر والأظافر حتى ولو أزعجت وأقلقت وعَنْ أُمَّ سَلَمَةَ قالت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ} مسلم
ولا تستهن بذلك فإن ذلك من الشعائر والله يقول { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} والأخذ بلا ضرورة يعد من المحرمات وتعظيم الحرمات من أسباب الفوز بالخيرات يقول جل جلاله { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } ولنقدر الأمر قدره بين ضرورة يستباح الأمر لأجلها وما يزعج ويقلق ولكن لا يسبب ضررا
 وفي العشر المباركة حيث رضا الله وقبوله وحيث أبوابه المفتحة للتوبة والدعاء والمسألة ، لنجعل لأنفسنا خبيئة من عمل صالح لا يعلمها أحد صدقة خفية ولو قلّت ودعوة لمسلم بظهر الغيب وأفضل ما يُقدم للمسلمين اليوم دعوة سر بهداية للصراط المستقيم وبعودة للدين القويم وبثبات على سنة الحبيب وبنصرة على العدو وبعز في كل شأن ، ولنعتني بدعوة الناس لاستغلال هبة الله هذه أعني العشر ولنذكرهم بأعمال الخير من ذكر وصلاة وصوم وصدقة وبر بالوالدين وغيرها من صالح العمل ونحثهم عليها ، ولا نشغلهم بما لم يكلفهم الله به من متابعة لقضايا سياسية خارجية لا ندري حقيقتها ولا ندرك ابعادها ، لنعتني بتوثيق صلة الناس بخالقهم فتهدأ نفوسهم وتتحقق أمانيهم وتطلعاتهم ونفز بمثل أجرهم ونسعد معهم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل