خطبة عيد الفطر المبارك 1435 التفكير

يمتاز الإنسان عن غيره من المخلوقات بميزة التفكير وهذا التفكير سريع الانحراف عن الجادة ولذا فهو مزية وأزمة في الوقت ذاته، ثباته يحتاج لسنوات وخبرات وانفلاته وانحرافه لا يحتاج سوى لحظات مملوءة بالوهم والأمنيات، بسبب انحراف التفكير خرج آدم من الجنة وقتل الأخ أخاه ومن خلال التفكير خُلّد أناس وضاع أقوام وبسبب التفكير تنعم بالحياة قومٌ وشقي فيها أقوام يقول ربنا جل وعلا {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون ليس لأنهم معدومي الحواس بل لأنهم عطّلوا نعم الله عليهم واكتفوا بسماع وفهم وبصر الآخرين وهنا انحراف التفكير فكانت النتيجة الخسران والضياع عياذا بالله تعالى. لقد اعتنى جل وعلا بالإنسان فخلقه في أحسن  تقويم وجعله مهيئاً لقيادة نفسه وقيادة من تحت يده وما عليه إلا أن يحسن توظيف ما وهب له من نعمة العقل والتفكير، ففقدان حاسة البصر أو وجود إعاقة في جزء من الجسد لم يمنع من وجود من خلّدهم التاريخ لمّا حكّموا عقولهم، فالعقل إن منح الاستقلالية وحق التفكير تحققت الآمال بغض النظر عن سلامة الحواس أو عدمها وأما إن حُجِر عليه وأُجِر لمن يجره حل الخسران والحسرة والندامة ولو كانت الحواس مكتملة سليمة وحينما تُعطل العقول يظهر الفساد في البر والبحر. ويعرف العقل المُؤجر والمُصادر من لسان صاحبه، فمن منطقك يعرف من ملك عقلك إما أنت أو عدوك، أما الصديق الناصح فإنه لا يملك عقلك بل يعيده إليك إذا فقدته ويصحح مساره إذا لاحظ انحرافه وإذا لاحظ خموله أعانك على تجديد نشاطه. واللسان إن انفلت فهو مدخل الشيطان للانحراف بالتفكير نحو الهاوية سواء شيطان الإنس أو الجان يقول ربنا جلّ في علاه { وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا } تأمل هنا رقة الخطاب الإلهي فالله أرحم بنا وأحب لنا من أمهاتنا ( وقل لعبادي ) ولم يقل يا أيها الناس أو قل للذين آمنوا بل يا عبادي مما يوحي بخطورة الأمر ويوجب علينا الاستماع والامتثال للوصية ( يقولوا التي هي أحسن) لأن عدونا لا يأخذ برقابنا ولا بأيدينا ولا يقودنا بسلاسل وإنما ينتظر كلمة منفلتة يلج بها ويملك بها العقل ويتحكم في الجوارح ليتحول المجتمع بسبب الخلافات إلى منظمات وأحزاب والله يقول { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } فمتى ما رأيت شخصا أو فرقة تشذ عن المسلمين فتأمل المنطق ستجد ألفاظا نابية وتهما ساقطة لأن الشيطان هو من يقود التفكير وقد انحرف به عن الجادة وكن معهم كما أمر الله تعالى نبيك الحبيب عليه الصلاة والسلام أعرض عنهم فلست منهم وليسوا منك. ولو أن الجميع التزم بوصية الله فلم يقل إلا التي هي أحسن في كل قضية تمر به لما وجد الشيطان مجالا للتحريش بيننا. وصف الله تعالى نبينا فقال { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } من حرصه ورحمته ورأفته بنا عليه الصلاة والسلام قال لنا: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ } البخاري. هذا توصيف منه صلى الله عليه وسلم وتحديد لدوائر الاهتمام الشخصية حتى لا يتشتت التفكير وينحرف عن مساره المفترض به، لذا فلا تخرج عن دائرتك المناطة بك فتشقى وتُشقي ولا تُخرج أحداً من دائرته فتُضِله ويضل فتبوء بإثمه وإثم من ضيّع. مع إطلالة العيد أوجهها دعوة للاستفادة من نعمة العقل والعناية بثباته وذلك بالتفكير في كل خَطبٍ قبل الخوض فيه، والتفكير في دوافع ومبررات المتكلم مدافعا أو منددا قبل إصدار الأحكام له أو عليه فإن النوايا تُغيّر الأحكام الشرعية وليس مجرد القناعات الشخصية، وهي دعوة لعدم تسليم العقل لكل مذيع وخطيب ومغرد وكاتب يُخرج الناس عن دوائرهم ويحملهم ما لم يحملهم إياه ربهم، وتأكيد على عدم نقل الأخبار ونقل الأحكام فإن النقل شهادة وإقرار ومساهمة {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } واحذّر من الانسياق خلف رأي الأغلبية بدون تثبت فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله. دول الطغيان والاستعمار المسماة  زورا بالدول العظمى بنت نهضتها بامتصاص دماء وثروات العرب وهاهي اليوم تُعِدُ وجبة جديدة لترميم أجسادها المترهلة المتآكلة وطبعا بامتصاصٍ جديد لدماء وثروات العرب والعربُ اليوم يكررون خطأ أجدادهم فيقدمون خدمات المساعدة مجانا بإذكاء نار الفتنة والفرقة وبتقطيع أوصال ما يحتاج لتقطيع حتى لا يقاوم يقول ربنا جل وعلا مستفهما مستنكرا { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } تتكرر الأحداث ويتكرر الانقسام والاختلاف تُشحن النفوس وتحل الكراهية وتحدث القطيعة وإن رَقَت النفوس وتأدبت فالعلاقة لا تعدو ابتسامة مجاملة تخفي خلفها اتهام نوايا وشكٍ وتربص كل ذلك لأننا بِوَهم مسئوليتنا العامة خرجنا من دائرتنا وحَمَلنا الناس برسائلنا على الخروج من دوائرهم فلا القضية حُلت ولا الصلات الاجتماعية سلمت ولا التطلعات تحققت وإنما تتبع للهوى وسير خلف الأمنيات بسببه زادت الانقسامات ومرضت الأبدان وضاعت مصالح دينية ودنيوية إضافة لكتاب يُستنسخ فيه كل ما نكتب ونقول ونعمل لن نعذر عن الخطأ فيه لأجل أهدافنا السامية. أمرنا جل وعلا بالتفكر والتأمل والتدبر في آياته الكونية وفي كلامه هو سبحانه وتعالى إذن فمن باب أولى كلام أناس مثلنا نفكر ونتأمل فيه قبل نقله والاعتماد عليه، ومن كان غير قادر على التدبر والتأمل والتفكر في كلام فلان وأخباره فليكتف بالسماع فما كل من ينشر يؤجر. غزة تحترق وسنة العراق يبادون وسوريا حالها لا يوصف ورافضة وخوارج يتربصون بنا الدوائر ودول استعمارية تتأهب ، خطوب ومآسي إن لم تقربنا وتقوي اللحمة بيننا وتدفعنا للتغاضي عن الجهل وعن العبارات التي منبعها التعاطف فاعلم أن تفكيرنا منحرف ولذا فسيسوء الحال وستتقطع الأوصال وسيطول أمد الاحتلال وسيزداد العدو فرحا وشماتة وتمكنا الله أكبر الله اكبر جعل الله أعيادنا أفراحا لنا وطريق تحقق آمالنا وزوال ما نكره

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل