كبار السن ثروة يجب ان تحفظ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ } الترمذي وأحمد وصححه الألباني. من كان محسنا في صلته بربه، ملتزما أمره ونهيه في سائر شأنه قدر وسعه، يسعى لزيادة علمه، ويجاهد لرفعة منزلته من خلال الإحسان لأفراد مجتمعه وأسرته تربية وتعليما لهم، يقابلهم بابتسامة ويسعى لهم في شفاعة يساعد في إنجاز عمل وقضاء مهمة، يجاهد لحفظ نفسه من أية زلة ويبوء بالتوبة مع كل إساءة، تمضي أيام عمره والإحسان بين ناظريه وفي كل يوم يزداد حسنا وإحسانا، فمثل هذا هو خير الناس في مجتمعه. وفي مجتمعنا اليوم الكثير ممن حصّل هذه الخيرية طالت أعمارهم وحسنت أعمالهم، أحبهم الناس لخيرٍ رأوه منهم وسمعوه عنهم، ومن أراد الخيرة في مجتمعه فليستق من خبراتهم وليستفد من تجاربهم كي يحوز سائر ما لديهم ثم يفوقهم خيرا وخيرية. إن وجود من كبر سنه وعظمت خبرته وتجربته فرصة لن تطول، وهم بمثابة ثروة فكرية يمكن أن تقفز بالمرء لسنوات وسنوات وليختصر بسببهم الكثير وليجني من وراء خبراتهم الكثير ويسلم من كثيرٍ من المغامرات الخاسرة، وجودهم نعمة يجب أن تستغل ولا تُضيّع، فنلتفت إليهم ما دامت بلدتنا عامرة بهم نأخذ حكمتهم ونستنير بتجاربهم وأرائهم فقد عركتهم الحياة وجربوا سبل العيش فيها ولديهم خبرة وتجارب وحكم لا يملكها الكثير وهي ثروات إن ضاعت فلن تعوض أبدا ، يملكون معرفة لن نعرفها حتى نقاسي الأمرّين بسببها وإن أخذناها منهم تجاوزنا الأمرّين واختصرنا الزمن وسلمنا من التجارب المؤلمة، لنعتني بمجالستهم ولنأخذ عنهم وذلك بتكييف ظروفنا على واقعهم فالعلم لا يأتي بل يؤتى ويسعى إليه، إن كانوا عاشوا حياة غير حياتنا فإن كل ما نمر به الآن قد مر بهم وكل ما نحتاجه ونفكر فيه قد احتاجوه وفكروا فيه وإن اختلفت الوسائل. قد يكون البعض من كبار السن فاقد للحكمة منذ شبابه لم يراع في ماضيه ولا في حاضره إحسانا ولا يملك رأيا ولا فكرا يستفاد منه وقد يكون سيء المعشر لا تطاق مجالسته ولكنهم قلة والأكثر بحمد الله هو من أولئك الذين فازوا بالخيرية وهؤلاء تعرفهم بما يذكرهم به الناس وتحكم بخيريتهم بما تراه منهم ، وإن كان كبير السن قد يحتاج لبعض الخدمة الشخصية والمساعدة الجسدية فإن المجتمع كله بحاجة للخبرة والحكمة التي يمتلكها، والشباب وإن كان هو مصدر الطاقة والعمل والإنتاج إلا أنه إن لم يؤسس بالحكمة ويتوج بتجارب السابقين فسيعاني صعوبات ومشاكل في حياته وستطير من بين يديه الكثير من الفرص السانحة وسيضيع عمره في مغامرات خاسرة، فتجارب كبار السن وخبراتهم غنيمة يجب الفوز بها، وما قدموه لمجتمعهم حتى أوصلوه إلى ما يعيشه من نعمة ليوجب البر بهم والإحسان إليهم كما بروا وأحسنوا بمجتمعهم وأسرهم وما من بر ولا إحسان لكبير السن مثل تقديره وتقديمه في المجالس ومجالسته والاستماع إليه ولقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِى الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِى فِيهِ وَالْجَافِى عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِى السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ} رواه أبو داود.
ورب مجتمع محفوظ بدعوة من هؤلاء الذين هم خير الناس في مجتمعهم وإن رحلوا فقد ترحل تلك الدعوات الصالحة معهم، وإن رحلوا ولم يستفد منهم خسر المجتمع سببا مهما من أسباب رقيه وأمنه وحضارته والتي قد يصعب تعويضها، والحياة الحضارية الراقية إنما تصنع من خلال تراكم الخبرات والتجارب الحياتية. فلنهيأ الأسباب لهم ليقوموا بالليل بعدم حملهم على السهر فيصلوا ويسألوا ربهم لهم ولنا ولنعينهم على تقديم خبراتهم وحكمتهم بمجالستهم في الأوقات التي يحبون ويرتاحون لها .
وإذ علم الشباب من هم الأخيار في مجتمعهم وعلموا الحق الذي عليهم تجاههم فلا يخفى على هؤلاء الأخيار الحكماء ما وصى به الله جل في علاه نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)) نعلم جميعا حرص الآباء والأخيار على نفع المجتمع عامة وأبنائهم خاصة وندرك حب حملهم لمن حولهم على الخير ولكن يجب أن ندرك حقيقة وهي أن من يقع في الخطأ من الشباب خاصة فإنه لا يعلم أنه على خطأ بل يظن الصواب هو ما يفعله وما هو عليه وقد يبلغ به الشطط حدا أن يرى سُخف ما عليه مجتمعه وسُخف ما يُطلب منه ويُحذّر منه، ولأن الهدف والغاية إنما هي نفع أولئك الشباب وحمايتهم مما يجهلونه ولا يدركون عواقبه فإن الأمر يتطلب عفوا وتسامحا وتغاضيا عن بعض الأخطاء التي يمكن علاجها ويتطلب أيضا تحمل بعض المنغصات التي لا تلحق ضررا ولا تخالف شرعا ولا عرفا ، فإن الصدود الدائم من الكبار عن الصغار والشباب بحجة عدم القدرة على تحمل إزعاجهم ومشاكلهم والنفور من الاستماع إلى أحاديثهم وطموحاتهم البسيطة أو الغريبة البعيدة عن الواقع، والرغبة في العيش بهدوء والميل فقط لمجالس الأصدقاء الذين يعيشون نفس المرحلة والهموم لهو مدعاة للنفور بين الجيلين وسبب رئيس لضياع وخسارة ثروات فكرية لا تدرك ولا تعوض، ولنأخذ من نهج نبيا الكريم صلى الله عليه وسلم مثالا وأسوة كيف كان يناقش الشباب في قضايا هي من الكبائر الموبقات ويستشيرهم في قضايا مصيرية للأمة وكيف كان يحنو على الصغار يقبلهم ويلاعبهم بل ويطيل في السجود لأجل أن طفلا هو الحسن أو الحسين ركب على ظهره وهو ساجد كراهية قطع لعبته ومتعته. فيا كرام وأخيار مجتمعنا يا من متعه الله بطول العمر وبرجاحة العقل وبوافر الخبرات والتجارب عاملوا الشباب بالرحمة، وسايروا رغباتهم وحاجاتهم التي لا تخالف شرعا ولا تضر أحدا بالعاطفة والحكمة، لنستمع إليهم كما نطلب استماعهم ولنتحمل مجالستهم ومجالسهم التي لا تخالف شرعا ولا تقلل لنا قدرا ولا تضرنا ولا تفوت علينا مصلحة، لنفتح لهم قلوبنا ولنخصص أوقاتا محددة لمجالستهم حتى لا تكون فجوة بين الجيلين فهكذا سيأنس الشباب بالشيب وستتقوى الصلة ويحدث التقارب والتآلف بينهم حينها سيبر الشباب بالشيب وسيكتسب الشيب الاحترام والتقدير وسيحظى الشباب من تلك الصلة بالحكمة والخبرة والتجربة، نقدم لهم ثروتنا الفكرية فيكون لنا من رقيهم نصيبا ومن صالح اعمالهم مماثلا ويسلموا هم من خوض تجارب خاطئة تؤخرهم وقد تُلحق بهم وبمن حولهم الأذى والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
تعليقات
إرسال تعليق