حقوق الجسد
يقول جل في علاه ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً))
قال ابن عباس يعني بالأمانة: الطاعة، وذكر في معناها الجزاء على الإحسان والعقوبة على الإساءة.
وطاعة العبد لربه تأتي في أمور عدة مختلفة منها ماهو تعبدي بحت أي أداء لفرائض الله، ومنها ماهو عادة وفطرة بل ومنها ما هو حظ للنفس خاصة كشهواتها وحاجاتها فكل مجالات الحياة السوية عبادة، وكلها إما أن تدخل في أداء الأمانة أو إضاعتها ويفسر هذا الأمر حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا} متفق عليه.
وفي الحديث الآخر عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَ سَلْمَانُ} رواه البخاري
فهنا رجل يتعبد لا يريد إلا الخير ولكن لما كان في ذلك العمل على خيريته إضاعة لأمانة من تلك الأمانات التي أؤتمن عليها العبد نُهي عما يفعله ومنع منه.
ومن هنا يعرف أن الأمانة تدخل في كل جوانب الحياة حتى حظوظ النفس البحتة وشهواتها الطبيعية التي هي مصلحة ومتعة شخصية.
وسيكون الحديث اليوم عن جانب الجسد وحقوقه على صاحبه.
فأما شكل الجسد ومظهره فليس للعبد اختيار فيه بل هو من اختصاص الله تعالى كما قال سبحانه ((يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ () الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ () فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ)) ولذا فلا أمانة على العبد في شكل جسده لأنه ليس من اختياره. وليس له حق الاعتراض عليه وليس للآخرين سبيل للسخرية ولا لانتقاد وإلا لتعرضوا لعقوبة الساخرين الشامتين التي هي في الدنيا قبل الآخرة؟
وإنما أمانة العبد في جسده هي فيما يقع تحت تصرفه وذلك بأمرين
أولهما: رعاية الجسد والاعتناء به والمحافظة عليه.
وثانيهما :تسخيره فيما يرضي خالقه جل وعلا.
وذلك لأن الجسد أمانة سلمت للعبد وستُستلم منه يوما ما وسيسأل عما عمل به ولا يحق له البتة التفريط ولا التهاون في ذلك. ألم تسمع قول المصطفى صلى الله عليه وسلم مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا}رواه مسلم . مع أنه جسده وهو الوحيد المستفيد والمتضرر ولكن الجسد ليس ملكا شخصيا بل أمانة ستستلم يوما ما! إذا فحق للجسد على صاحبه وشكرا من العبد لخالقه على ما وهبه في بدنه وحفاظا على نعمة الجسد للتمتع بها في الدنيا والآخرة، رعاية ذلك الجسد والمحافظة على سلامته وذلك من خلال أمور منها:
التوازن وحسن الاختيار للعناصر الثلاث التي لا قوام له بدونها الغذاء والشراب والنفس كما في الحديث { مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتْ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ} رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة.
هذه الأمور الثلاث هي قوام الجسد وعدم الموازنة بينها والسماح لبعضها بالطغيان على بعض لابد له من ضرر وأثر لا يحمد، وسوء الاختيار لها وعدم معالجة الخلل في احدها مع القدرة عليه يعد إخلالا بالأمانة ، ولما وصف النبي صلى الله عليه وسلم حال بعض القرون المتأخرة وأراد ذم بعض صفاتهم وأفعالهم قال: ويظهر فيهم السمن والمراد: أنهم يتوسعون في المآكل والمشارب التي نتاجها السمنة وحتى تكون السمنة هي السمة الغالبة عليهم بل وتلحظ فيهم تغيرا نحوها ما بين عام وآخر وقد جاءت هذه الصفة في سياق الذم لأنها علامة على الترف والخمول والدعة والكسل.
وأنبه لمسألة هنا وهي أن جميع ما ورد من أخبار عن علامات الساعة وفي أوصاف الأجيال المتأخرة أنه فقط من باب الإخبار وليس من باب الأحكام فما ورد مذموما فهو للذم فقط ولم يقصد بذلك الحكم عليه حرمة ولا إباحة كما في التطاول في البنيان مثلا فهو مذموم لما فيه من التباهي وإن حُرم فلما فيه من السرف والتبذير، فالإباحة والتحريم تؤخذ أحكامها من نصوص خاصة بالأحكام لا من الأخبار. وظهور السمنة في جيلنا اليوم هو خلل في أداء الأمانة وإعلان خطر باعتلال الصحة إذ هي لا تظهر إلا بعد مخالفة الفطرة السليمة في المطعم والمشرب.
والأمر الثاني في أداء أمانة الجسد: العناية بكل وسائل تنمية الجسد والمحافظة على قوته وسلامتهكالعمل البدني المنضبط رياضة أو حرفة ونحوها والقراءة في المجالات المغذية للعقل المنمية للفكر.
والأمر الثالث: المحافظة على سلامة الجسد بالبعد عن أماكن الخطر وعدم التسبب في إهلاكه أو تعطيل بعض منافعه وأجزاءه كما هو حال البعض في قيادتهم للسيارة أو البحث عن المتعة بالخطر والتي قد يدخل بعضها في مسألة الانتحار وإرهاق الجسد بالعمل المتواصل .
الأمر الرابع بناء الجسد على الطيّب من الغذاء والشراب فهذا أمر الله تعالى للجميع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَقَالَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ} رواه مسلم
الأمر الخامس: العناية بالمظهر العام هيئة ولباسا فالله يحب أن ترى اثر نعمته على عبده.
الأمر السادس قصر طاقات الجسد وقوته وحواسه على ما أبيح فقط من القول والعمل والملاذ بأنواعها.
إذا حفظ المرء جسده وعمل على سلامته وتنميته وحفظه مما حرم عليه وقصر طاقاته وقوته على طاعة الله فقد أدى ما وجب عليه حقا لله في جسده واستدام نعمة جسده في الدنيا وفي الآخرة حمانا الله وإياكم من كل مكروه ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما حيينا هذا وإن في تخصيص هيئة الأمم المتحدة ليوم محدد من كل عام يخصص للتوعية بخطر مرض عام ما كالسكري مثلا لهو مؤشر على الخلل العام في المحافظة على أمانة الجسد ورعايته. والمرض مهما كان إن نزل بالعبد فبإذن الله تعالى لن يؤاخذ الله العبد به لأنه إما ابتلاء وإما كفارة والمؤاخذة ستكون في حال التفريط والإهمال. فمن ابتلي بأي مرض كان حتى وإن كان مرضا عالميا فله عند الصبر والحمد أجر المبتلين وقد قال الله تعالى حاثا لعباده على الصبر (( إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً))
فالألم مشترك بين البشر ولكن رجاء ما عند الله خاص بالمؤمنين ولهم ما رجوه وأمّلوه عند ربهم.
وجميل نشر الثقافة حول الأمراض العامة عموما كمرض السكري والضغط ونحوها من الأوبئة العامة المزمنة والطارئة إذ الجهل بها سماح للأحاديث العامة غير الموثقة للانتشار والقبول وهذا سبب في نشر الضر على المجتمع وسبب في إتعاب النفس ماديا وجسديا ومعنويا. وبحمد الله فقد تيسرت سبل الاتصال بالجهات المختصة بكل جانب من جوانب الحياة فواجب استقاء المعلومة من مصدرها المسئول عنها ومن الخطر استقاء المعلومة من غير أهلها وإن ادعوا علمهم الواسع وإن أحسنوا الحديث وأبدعوا في كسب استماع وانصات الآخرين . فواجب العناية بأمانة الجسد محافظة عليه وتسخيرا له فيما أباح الله وأوجب. حمانا الله وإياكم والمسلمين من كل مكروه ونفعنا بما نسمع ونقول وجعلنا مباركين أينما كنا.
تعليقات
إرسال تعليق