بين بياع الخبل عباءته والإنفاق على الرفاهية


في هذه الفترة من كل عام حينما يخرج فصل الشتاء ببرده القارس ويحل الربيع بأجوائه المتقلبة، كان أجدادنا يُعرّفون هذه الفترة بأنها فترة خداعة تمنح الناس بيئة معتدلة تميل إلى الدفء ثم يتغير وجهها عبر موجة برد قارس يفاجئ الناس فيضرهم، ويصفون البعض من الناس بقلة العقل وبعدم الحكمة لأنه ما أن يشعر بالدفء حتى يظن البرد انتهى فيبيع عباءته الشتوية، لست بصدد الحديث عن هذا المسكين الذي انخدع بالحالة الجوية بل أتحدث عن دوافعه للاستعجال في بيع عباءته فهذا المثل العامي الدارج يحكي واقعا مؤلما عاشه أجدادنا فالشتاء قلما يخرج بدون أن ينهك الكثير جوعا وبردا وحيث لا مال لدى الفقير يشتري به حاجته من الغذاء فيضطر لبيع هذه العباءة باقيا بملابسه الخفيفة وذلك لأجل لقمة عيش يُفرح بها أسرته.

من فضل الله علينا في زماننا هذا أننا لا نفكر البتة في هل سنجد طعاما ام لا، فالوجبات مجدولة لا يتغير وقتها ولكن التفكير إن وجد هو في ماذا سنأكل؟ هل هو على نفس منوال الأمس أم لا؟ هل هو بلذة  الأمس أم أفضل؟ بينما أجدادنا أصحاب المثل السابق كانوا يفكرون بما سندخل على أهلنا؟ وهل سنطعمهم اليوم أم نخادعهم ونصبّرهم ببعض ما لا يؤكل عادة؟

احمد الله لست ممن عاش تلك الحقبة وعانى صعوبتها وذاق مرارتها ولكنها عبرة لا يأمن عاقل عودتها وهو يرى كفر النعمة في مجتمعه في كل لحظة؟

في زمن أولئك الذين باعوا عباءاتهم بمجرد إحساسهم بالدفء كان الشباب يسافرون لسنوات وسنوات عبر طرق غير آمنة وإلى بلدان غريبة عنهم فكرا وعادات وأحيانا غريبة لغة، تنقطع أخبارهم بمجرد غيابهم عن أعين أهاليهم كل ذلك في سبيل تأمين لقمة عيش لهم يقتاتون منها ولعلهم يعودون بخير يساعدون به والديهم وأهلهم، إن أخذهم القلق على أهلهم وكان بأيديهم خيرا عجزوا عن إيصال المعونة لهم وبالكاد يسمعون عن قافلة متحركة تجاه بلدتهم فيبعثون معهم بمعونة يسيرة وبرسالة شوق واستفسار عن الحال وبالكاد يتوفر الأمين ولكنها حيلة المضطر فيدفعون ما معهم ويستودعونه الله كما استودعهم أهلهم الله،  حياة كلها شظف وقسوة كثيرا ما اجتمع عليهم الجوع والبرد فإذا خلّصهم الله من البرد باعوا ما لديهم لتأمين طعام أسرتهم.

ولحمل الضعفاء منهم على عدم بيع ما لديهم مما يخص الشتاء قبل الأمان من رحيل البرد وصفوا البائع بتلك الصفة تنفيرا له عن القيام بها.

فهذا المثل المضحك لدى الكثير اليوم هو قصة جيل عاش قسوة البيئة وشظف العيش.

ما الذي دفعني لإثارة الشجون حول هذا الأمر؟

هناك أمران دفعانني لهذا الأول: هو سخرية الكثير من البيئة الفكرية السائدة آنذاك متناسين أن النمط الذي نعيشه الآن والترف الذي نعايشه هو الذي غيّر الفكر لدينا كما أن الفقر وشدة الحال هي التي صنعت ذلك الفكر لدى الأجداد، ومن سخر من أسلافه فإنما هو متنكر لهم عاق بهم معرّض للعقوبة بما سخر منه.

الأمر الثاني: هو دراسة نشرتها إحدى المصادر الإخبارية الخليجية عن أكثر شعوب العالم إنفاقا على الرفاهية فإذا بالمجتمع السعودي يحتل المرتبة الثالثة!! ثالث شعوب العالم رفاهية.

غريبة تلك المعلومة أليس كذلك؟

لقد استهجن الكثير تلك المعلومة وتساءلوا عن أي رفاهية نعيش؟ بحثوا في الإنترنت عن صور قيل إنها لمآسي سعوديين في الداخل ليكذّبوا تلك الدراسة، أتوا بأخبار السكن وغلاء المعيشة وقلة الوظائف ونحوها، ولم يكلفوا أنفسهم دراسة معايير تلك الدراسة وعلى أي معايير تمت ووفق أية معطيات حكمت؟ فمن خلال معايير تلك الدراسة تعرف نظرة المجتمعات الأخرى للحياة وتعرف النعمة التي بن يديك، وإن الاستعجال في التعليق والرد ليوحي بالاعتراف المبطن.

بُنيت تلك الدراسة على نسبة السكان مقارنة بالإنفاق على كماليات اعتادوها ، كماليات تستقيم الحياة بدونها بل نؤمن بأن الحياة ستزدهر أكثر بدونها.

هذه الكماليات التي بنيت عليها الدراسة هي عدد مرات السفر للسياحة واقتناء السيارات والساعات الفاخرة والحسابات البنكية-. وأضيف معيارا آخر للرفاهية هو تلك الأجهزة الذكية.

عدّت تلك الدراسة الإنفاق على السفر والمقصود السفر السياحي من علامات الرفاهية وقد صدقت في ذلك فهل يعقل أن شعبا يعاني الضائقات المالية يُسبب أزمات إسكان في الفنادق والشقق المفروشة في الداخل وفي دول الجوار؟ في إجازة لا تتجاوز أسبوع واحد فقط؟ بل وتجد أن الشركات السياحية في الداخل والخارج ليقينها بتلك العادة لدى هذا الشعب تتابع إجازاته الرسمية وتخطط لاستثمارها فهو قد يستدين لأجلها وما تسابق البنوك لإصدار البطاقات الائتمانية وكثرة فتح الحسابات البنكية إلا مؤكدا لتلك الحقيقة فالديون أصبحت مجالا استثماريا للبنوك والأثرياء، والأسبوع القادم حيث إجازة المدارس سكون خير شاهد على ذلك.

 أما إن تحدثت عن السيارات فكل بيت لا يملك سيارة احتياط فهو يفكر بجدية في ذلك بالرغم من وجود سيارة مع كل ذكر بالغ في البيت تقريبا.

أما الساعات الفاخرة ومثلها أداوت التجميل فإحصائيات وزارة التجارة تكشف بجلاء حجم المبالغ المنفقة عليها في كل مدينة من مدن المملكة صغيرة كانت أو كبيرة.  

وإن تأملت في الأجهزة الذكية فهي أمنية لدى كثير وألعوبة لدى الأطفال هنا بل ومتى ما استحق الولد ابنا أو بنتا في نظر العائلة الحصول على الهاتف المحمول فإنه لا يعطى بل لا يقبل هو بأقل من جهاز تتجاوز قيمته الألفي ريال.

وأما لماذا لم تعد تلك الدراسة السكن من علامات الرفاهية فلأن من البديهي ان من يهمه السكن ويقلقه لا يفكر البتة في تلك الكماليات إذ السكن لدى العقلاء من الضروريات التي يضحى لأجلها بكل الكماليات.

إن الترفيه عن النفس عبادة ومخالطة الناس ومعايشتهم عبر الوسائل المباحة عبادة ولكن إن أدى ذلك لضرر في البدن أو المال أو المستقبل او أدى لتقصير في عبادة واجبة أو تسبب في تأخير مصلحة راجحة فإن ذلك يكون ترفا مذموما وكفرا للنعمة وسببا لمحق البركة وحلول العقوبة تأمل في قول الله تعالى { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } وقوله سبحانه { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } وتأمل عاقبة المترفين في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام فاستخدم النعمة بقدر واجعلها وسيلة للرقي وسببا لأداء العبادة ولنعمل على ألا ينطبق علينا وصف الأجداد على من باع عباءته لأجل لقمة عيش إذ بعنا صحتنا وأبصارنا وأموالنا ومستقبلنا بل وديننا لأجل رفاهية زائلة ضرها أقرب من نفعها.

 

تعليقات

  1. تشرفت بزيارة مدونة الشيخ خالد الجبير واستمتعت بمحتواها. نفع الله بجهدك اخي الكريم ووفقك لكل خير.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل