آداب في الرحلات البرية

حول الرحلات البرية
وإذ أنزل الله المطر وأطاب لنا الأجواء فقد حلا للناس الخروج للنزهة في البراري ذات اليمين وذات الشمال وهذه من الأمور المحمودة ولقد كان نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام إذا طابت الأجواء وأنبتت الأرض وزان وجهها يخرج للتلاع القريبة من المدينة يتجول ويستمتع حامدا وشاكرا وذاكرا لله مروحا عن نفسه وعن أسرته وصحبه .
ولنا في كل شؤوننا وأحوالنا أسوة حسنة بنبينا وحبيبنا عليه الصلاة والسلام ولهذا فكل شؤوننا بحمد الله يمكن أن نجعلها عبادات نتقرب بها إلى الله تعالى شكرا له سبحانه واستدراجا لمزيد فضله وإحسانه ، ومن ذلك النزهات والرحلات إذا تقيدنا فيها بالآداب المشروعة جعلناها عبادة وقربة مع ما فيها من فسحة ومتعة .
سأقتصر على ذكر بعض تلك الآداب لضيق المقام وأهمها اتخاذ الرحلة ولو كانت قصيرة قريبة سببا لزيادة الإيمان وترسيخه في النفوس ، تأمل السماء التي ملئت حرسا شديدا وشهبا وتأمل عظمة الخالق جل وعلا الذي خلق سبع سموات طباقا ومن الأرض مثلهن والشمس والقمر وسائر الكواكب وجعل في الفضاء معارج تعرج عبرها الملائكة الكرام كل صبح ومساء تروح وتغدو بالرحمات وبالسجلات قد عبئت بالأفعال والأقوال والنظرات والخطرات ، وتأمل الأرض كيف مُهّدت وكيف تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج بسبب قطرات من الماء انزلها الله من السماء فتغير وجهها إلى وجه ينطق بالخير ويبشر بالخير ويأتي بالخير ، فاذكر الله أيها المتنزه عند كل مرتفع ومنخفض ، وليكن مرآك لأي روضة يانعة أو نبتة باسقة أو مشهد جميل سارّ سببا لتعظيم الله والثناء عليه سبحانه فبذلك تشكر نعمة ربك ويذكرك ربك وتتسابق الملائكة لتدوين كلماتك .
كذلك يجب قبل الخروج للنزهة التفقه في الأحكام الشرعية للصلاة والطهارة فهما عنوان الشكر الحق للمولى جل وعلا على نعمه ، يجب ان يتعرف المسلم وأن يعرّف من معه على أهمية النداء للصلاة في البرية ورفع الصوت به حتى ولو لم ير أحد بقربه فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أنّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَهُ إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} البخاري . وما أجمل تدريب وتعويد الصغار على ذلك ، وتعلم قبل السفر وسائل التعرف على القبلة وكيفية تحديد اتجاهاتها ولا تقتصر على استخدام التقنية الحديثة بل يجب أن يكون لديك ملكة التعرف وأن تحوز نصيبا من العلم والبصيرة حول ذلك ، واستخدامها طيب ومطلب إذا حدث الخلاف بين الرفقة في تحديد القبلة ، ولا تستهن بمعرفة القبلة فقد تكون تلك الاستهانة سببا لبطلان الصلاة ، وتعلم قبل السفر أحكام القصر والجمع فما كل سفر تقصر فيه الصلاة وما كل ما يجمع فيه يؤذن فيه بالقصر ، واعتن بأحكام الوضوء والتيمم والمسح على الخفين ففي الرحلات تكون الدروس في الاقتصاد وعدم الاسراف في الماء مع استيفاء الفرض وأداء الواجب المحدد في هذا الجانب ، في الرحلات يعوّد الصغار على الوضوء بغير إسراف ، ويكتشف المرء في الرحلة ما يعيشه بقية افراد الأسرة من علم أو جهل بالعبادات . كذلك يجب أن نتعلم ونُعلّم من معنا آداب قضاء الحاجة وعدم اتخاذ ذلك مجالا للسخرية والفكاهة العابثة فإن كشف العورات سبب لمقت الله وسخطه حتى ولو كان على سبيل المداعبة ويجب إعانة قاضي حاجته على الستر إن عجز أو تكاسل ومن فضل الله تيسر اقتناء الخدمات والتجهيزات لكل حاجات المتنزهين ، كما يجب تعلم حكم استقبال القبلة أو استدبارها حين قضاء الحاجة .
 أيضا مما ينبغي أن يراعى في النزهات ويعتنى به الأهداف الرئيسة للرحلة :
فأولها الانطلاق وعدم التقييد لا للأطفال ولا للنساء لذا يجب الابتعاد عن الأماكن المزدحمة حتى ولو كانت تتمتع بمناظر زاهية رائعة فما خرجت الأسرة لتكون حبيسة زاوية محددة ولا لتبتذل نفسها فتتخلى عن قيمها .
وثانيها أن تتساقط بين افراد الأسرة كافة القيود التي تحد من سيادة الحب والوئام فلينتشر المزاح والمداعبة القولية اللطيفة والمسابقات البدنية والتسابق لتقديم الخدمات التي يحتاجها الآخرون سواء أكانوا صغار أو كبارا رجالا او نساء وهذا لن يتأتى في الأماكن المزدحمة .
في النزهة تكون مجالات التربية على الحب والخدمة العامة خصبة ميسرة فلنستغلها ولنعتن بها فما أحوجنا إليها خاصة وقد استجاب الكثير لضغوطات الحياة ومشاغلها فابتعد بروحه وبجسده عن أسرته والرحلات تعيده إليها تلك الصلة وذلك الحب وتقوي روابطهم .
ومن الآداب المهمة في الرحلات العناية بالبيئة ورعاية جمالها والحفاظ على أسباب بقائها فإن مما يؤلم حقا هو ذلك التشويه المتعمد من قبل كثير من المتنزهين لصور الجمال في البرية بعد استمتاعهم بها بل بعد انتقائهم لأفضل بقاعها ، فما أكثر المتنزهين الذين يتركون بعدهم نفايات لو رأوها لأوسعوا تاركها سبا وشتما ودعاء ولا ابتعدوا عن تلك البقعة مهما كان جمالها ونضرتها ، وما ذاك بشكر للمنعم ولا وفاء للأرض التي أخذت زينتها لأجلهم فماذا سيضر رب الأسرة إن جعل من أساسيات أغراض الرحلة كيسا تجمع فيه النفايات فتحرق أو تدفن أو تحمل لأقرب منطقة تجميع للنفايات وفي كثير من المناطق نجد البلديات مشكورة قد أوصلت حاوياتها بالقرب من مواقع التنزه وإن لم يوجد فليس ذلك مبررا لتشويه جمال الأرض الذي كنا ولا زلنا ننتظره ونتطلع إليه .
وإن مما يعده العقلاء جرما في حق الأرض وحق الجمال البيئي وحق الأجيال القادمة هو ذلك الاعتداء على الأشجار قطعا وتكسيرا وتخريبا لأجل التباهي الممجوج ، ولا يقل إساءة عن ذلك التجول بالسيارة وسط الروض لا يلقي بالا لنبات تلف ولا لجمال تشوه كان هو ينتظره لسنوات وسنوات .
 ومن أهم المهمات وأوجب الواجبات في الرحلات حماية النفس وحماية الأسرة أو الرفقة وذلك بالأذكار الشرعية حين الخروج من المنزل وحين النزول للمكان المراد الجلوس فيه فعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةِ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ. مسلم كما يجب تفقد الصغار وأمثالهم فلا يُفقدوا ولا يغيبوا عن الأعين فكم من رحلة ماتعة ممتعة تحولت في أمسيتها إلى كارثة بسبب إهمال الصغار ونحوهم .
الرحلة مدرسة وما أجمل أن يعوّد الجميع على أدب الرحلات فيطالبوا بالكتابة عن رحلتهم وطرائفها وعجائب ما حدث لهم ومنهم وما رأوا ولو برسالة قصيرة صغيرة وأن لا يكتفى في التوثيق بصور ضوئية لا تعبر عن مشاعرهم ولا تعودهم على التعبير عنها وذلك لأجل أن تنمو معهم ولديهم ملكة الكتابة والتفكير ولتكون تلك وثيقة مهمة في حياتهم تربطهم بأحداث ماتعة مع أسرتهم .
ختاما لنتذكر كم من رحلة نُسي أحد أفرادها في البر سواء أكان طفلا أو امرأة لأنها ابتعدت لقضاء حاجة ونحوها فلم ينتبه أحد لفقدها ولم تشعر هي برحيلهم إلا بعد ابتعادهم ، ليمر مسافر بعدهم لا يعرفهم فيحمل ذلك المفقود أو تلك الفتاة لاحقا أهلها ليسلمها إليهم وتلك من المواقف المتكررة وهي من المواقف التي يُحمد فيها المنقذ وتحمد فيها الفتاة الثابتة التي حفظت موقعها وحافظت على نفسها ، ولا يقبل احد من الناس القدح فيها ولا في منقذها ، بل يستبشرون بوجود رجال أمثال هذا يحافظ على محارم الاخرين كأنهم محارمه ، بمثل هذه النظرة الإيجابية لمثل هذه الأحداث يجب أن ننظر لقصة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين ذهبت تبحث عن عقدها الذي أضاعته فرحل الجيش ولم يفقدها أحد وبقيت وحدها حتى أنقذها صديق للعائلة حفظها وحافظ عليها وحفظت نفسها وحافظت على شرفها والله هو الحافظ أرحم الراحمين ننظر بإيجابية وبما نؤمن بأننا لن نفعل غيره .
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ربنا فقهنا في الدين وعلمنا التأويل واجعلنا من عبادك الصالحين وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل