دعوة للصدقة والصدقة على السوريين

فيقول سبحانه وتعالى موصيا عباده { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } يؤمن المؤمنون بأنهم مقيمون في هذه الحياة لفترة سيرحلون بعدها لحياة أفضل وأطول مدى وأصدق نعيما وأمتعه إن هم قُبِلوا ونالوا الفلاح كما يعلمون أنهم مع إيمانهم مهددون بنار جهنم التي تترقب زلة وخطيئة من العباد علهم يكونوا من أهلها ولو لأمد معدود عياذا بالله تعالى ، وكثير من المؤمنين مع إيمانهم بهذا فهم لم يرسموا في مخيلتهم مشهد حملهم على الأكتاف ينقلون إلى مراقدهم الأخيرة في هذه الحياة ولم يتخيلوا النار وهي تكاد تميز من الغيظ شرا وحنقا منها بل يرسمون مشهد تمتعهم المستمر بالأهل والأولاد مع رؤيتهم لمن حولهم يرحلون بل مع رؤيتهم لأبناء من حولهم وهم يتفرقون عنهم كما تفرقوا هم عن أسرتهم التي خرجوا منها ينظرون بأمل وبلهفة وبخوف لمستقبلهم ولمستقبل أسرتهم طامعين في حياة كريمة محفوفة بالعزة والطمأنينة فهم ليلهم ونهارهم في شُغل نحو هذا ولكن لأن الأمر أيسر من هذا الهم وهذا الشغل فإن الكثير يغفل عنه يقول جل في علاه { فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ () وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ () كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ () وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ () وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً () وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً )) هذه الآيات العظام نمر عليها كثيرا نتلوها في صلواتنا ونسمعها من مصادر عدة ولكن قليل من يتفكر فيها ، لقد ربط الإنسان العزة والرفاهية الشخصية والمنزلة الاجتماعية له بالمال فقط فذمه الله تعالى على ذلك وعنّفه وبيّن أن وذلك إنما هو بسبب قصور فكر الإنسان وتفكيره فلو تأمل المرء في واقع مجتمعه الصغير ونظر يمنة ويسرة فسيجد أثرياء قد امتلأت البنوك بأرصدتهم ولكنهم في حال لا يسر من يراهم ثيابهم رثة وأسِرّتهم التي ينامون عليها بالية مهترئة وسيارتهم يأنف من ركوبها أولادهم ولا يضايقهم شيء مثل الفراش الغطاء الوثير والأثاث الجديد والمركب الحديث بل يضايقه اجتماعه أسرته حوله والويل له ولهم إن هم مازحوا بعضهم أو أذنوا لأولادهم يمرحون ويأكلون فهو محروم من ل ما كان يرجو ويؤمل بالرغم من وفرة المال وكثرة الولد لديه هذا إن لم تذهب صحته وديانته وذمته في سبيل هذا الجمع الذي لم ينفعه وقد يتنافس أولاده من بعده في حرمانه من صدقة يسيرة تلحقه من ماله الذي تركه لهم ، الكرامة الاجتماعية والرفاهية الشخصية والحياة الماتعة بّين الخالق جل وعلا أسبابها . أليس أصدق الفنيين في الحكم على السيارة وعلى كيفية استخدامها هو صانعها الذي بدأها من مسمار صغير حتى صارت مركبة لا تضاهى ؟ ولله المثل الأعلى هكذا الإنسان فالأعلم بما يحتاجه ويصلحه ويسعده ويكرمه هو خالقه وصانعه { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } ولقد أنبئنا جل وعلا أن أعظم ما يقدمه الإنسان لنفسه ولأسرته في مستقبل حياتهم الأولى والآخرة هو فعل الخير للغير ، حثا ودعوة لفعل الخير ، الإقدام على فعل الخير ، يفعل الخير قولا وعملا عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال الإيمان بالله والجهاد في سبيله قال قلت أي الرقاب أفضل ؟ قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا قال قلت فإن لم أفعل ؟ قال تعين صانعا أو تصنع لأخرق قال قلت يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل ؟ قال تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك} مسلم . و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ } متفق عليه .
من فضل الله تعالى وكرمه أن جعل الصدقة متنوعة متعددة متيسرة لا يحرم منها أحد وبالصدقة تبني مستقبلك ومكانتك الاجتماعية الرفيعة الرائعة في الدنيا وفي الآخرة وأفصل الصدقات الصدقة المادية فقد عدّها جل وعلا جهادا في سبيله وقدمها في كثير من الأحايين على الجهاد بالنفس ، وتعظيما للصدقة المادية فقد جعلها الله تعالى قرضا حسنا ووعد صاحب القرض الحسن أن يستوفي هذا القرض أضعافا مضاعفة ، القرض للآخرين إن طمع المقرض بزيادة حين السداد أو أمّل مصلحة دنيوية أو هدية ولو يسيرة بسبب القرض محق الله القرض وما جاء به أما إقراضك الله تعالى فلك أن تطمع وأن ترجو المضاعفة إلى ما لا حد ولا عد له { يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } ويقول سبحانه { إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ } مع الصدقة ستأمن من محق المال وخسرانه وستضمن نماءه وزيادته وبركته ، مع الصدقة بأنواعها وبالدعوة للصدقة بأنواعها ستحظى بمكانة اجتماعية رفيعة وحياة آمنة كريمة في الدنيا وفي الآخرة وهذا وعد الله ولن تجد أصدق وعدا من الله ولن تجد أوفى عطاء وسدادا من الله جل جلاله يقول سبحانه { مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } بالصدقة ستبني الحواجز القوية بينك وبين جهنم فلا تصلك ولا يصلك أذاها
وهذا الوعد الرباني للمتصدق وتلك النعم المترتبة على الصدقة إنما هي فقط للقرض الحسن ، والقرض الحسن هو ما تدفعه لغيرك وأنت محسن فيه ، محسن في انتقائه فلا تنتقي إلا طيبا ، محسن في القصد فلا تقصد إلا وجه الله تعالى لا تبتغي جزاء ولا شكورا من المتصدق عليه بل ولا ردا لما بذلته ، محسن في قدر ما تعطي وتبذل ، محسن في الدفع فلا تذل ولا تُشهر . ولقد حذّر جل وعلا من المنّ بالصدقة يقول جل في علاه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } تأمل تلك الحصاة الملساء التي علاها التراب يأتيها المطر فيزيل ذلك التراب ولا يبقى عليها شيء فهي صلبة لا ينتفع بها ولا شيء يقيها مثلها مثل تلك الصدقة التي تقدمها لمستحقها حينما تؤذي المتصدق عليه بمنة أو أذى ترسمه على وجهه ذلا له وانكسارا فبسبب تلك الأذية بطلت الصدقة ونقص مالك ولا فضل ولا معروف لك ، ولستُ بالحكم ولا بالمفسر ولا بالمفتي ولكن أتألم لألم مسكين يُتصدق عليه ثم تنشر تلك الصدقة في وسائل الإعلام المختلفة نعم قد يكون التصوير والنشر توثيقا للعمل وقد يكون تطمينا للمتصدق أن صدقته وصلت لمستحقها وقد يكون حثا للناس ودعوة لهم للصدقة ولكن انظر رعاك الله في عيني المتصدق عليه فستجدها غائرة بالدمع وستجد فرحته بما وصله ودعواته لأهل الخير مشوبة بمشاعر حسرة وألم وبكسرة نفس وهوانها .
من بشائر الخير ما نجده من تسابق الناس للتبرع لأهلنا في سوريا فهذه حملة في مدينة وتلك في مدرسة وهذه قبيلة اجتمعت فتصدقت ثم نجد مقاطع مصورة تخبر الناس أن هذه صدقة أولئك وأن هؤلاء المستحقين قد اغتنوا بصدقتنا واستقبلوها بدعاء وبفرح ، أعلم أن جامعي وباذلي تلك الصدقات لم يدر بخلدهم هذا الطرح وأنه بعيد عن تصورهم ولكن لما شعرت بشيء من ذلك خفت عليهم وعلى صدقاتهم مما حذر الله فأحبتت التحذير علّ الله يقبل العمل ولا يبطله .

يجب ان تخلو الصدقة من أي مشهد منة أو إيذاء ولو بغير قصد فتوثيق العمل وطمأنة المتبرع لا يكون بالنشر للعالم ، والدعوة للتبرع قد تكون مؤثرة بمثل تلك المشاهد ولكنها مشاعر مؤذية للمتصدق عليه ولأحبته حاضرا ومستقبلا .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل