خطورة الفساد على البلاد والعباد

منذ أن خلق الله الأرض فإن خصلتين تملؤها هما خصلتا الخير والشر عمت الجن والإنس .
وخصال الخير تجدها في محاولة البعض أداء واجباتهم وفي محاولتهم لخدمة الآخرين من حولهم وفي كف الأذى الذي يمكن أن يصدر منهم ، وأما خصال الشر فخلاف الخير وتُعنى بخدمة الذات ونكران حقوق الآخرين في تلك المصلحة التي يرجوها صاحب الشر ، وعمارة الأرض وازدهارها إنما يكون بتنمية ونماء خصال الخير في النفوس وبظهور آثارها في المجتمع ، وحينما بعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الشريعة وبهذا الهدي والهدى نمت خصال الخير في المجتمع واندحرت خصال الشر وأهلها استقامت الحياة فكانت دولة عامرة بالخير سلوكا ومعيشة ، وكانت مثالا حيا على إمكانية تغيير البيئة للأفضل وإن عدمت الأسباب الحسية . ولقد حذر الله تعالى المسلمين من إفساد هذه النعمة الربانية فقال سبحانه { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } وصلاح الأرض يكون بصلاح السلوك في المعتقد وبصلاح السلوك في المعاملات المالية والحقوقية والاجتماعية ، وكل فساد سلوكي له أثره السلبي على المجتمع وكلما قوي وانتشر ذلك الفساد كان خطره أشد وتدميره أقسى وأبلغ . يؤكد هذا قول الله تعالى { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } فقد ظهر الفساد في البر والبحر , كالجدب وقلة الأمطار وكثرة الأمراض والأوبئة ; وذلك بسبب تلك الجنايات التي يقترفها البعض على مجتمعه بذنوبه ومعاصيه فيسيء في صلته بربه ويسيء الصلة بمجتمعه بأنانيته وبطمعه في أموالهم وخدماتهم لشخصه فيسيء اقتصاديا واجتماعيا وإداريا وسياسيا يستغل وظيفته العامة لمصالحه الخاصة يضيّع حقوق الآخرين لأجل أن يكسب هو أو يضيعها لمجرد كسله وإهماله وعدم مبالاته ، يغش في بيعه ويغش في شرائه ويغش في بنائه وعمله يخون ويكذب ويغيّر ويبدّل لأجل المال والمنفعة الشخصية ، تنعدم لديه لأمانة وتغلب عليه الخيانة .
ولأن الله تعالى ليس بينه وبين أحد نسبا ولا صهرا فسننه جل وعلا لا تحابي أحدا حينما يرتكب أحدا منا فسادا في شيء مما له صلة بفرائضه تعالى أو فيما أوجبه سبحانه علينا تجاه غيرنا حتى من الحيوانات فلابد من عقوبة في الدنيا قبل الآخرة { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } فإن لم يرجعوا كانت العقوبة التي تُنسي كل متعة وتجلب كل حسرة وما هذا إلا لأن فساده دل على ضعف ديانته واضمحلال أمانته وبيعه لذمته واستهانته بأرواح ومعايش الناس فهو خائن استباح حقوق الآخرين وتسبب في تخلف مجتمعه عن ركب الحضارة وتسبب في انتشار هذا الخلق الذميم حيث كان قدوة سيئة لضعاف النفوس مثله فهو مجرم وإن ابتسم ومجرم وإن قدم خدمات ومجرم وإن احترمه الناس فإن الناس يحابون لمصلحة يرجونها أو لخلق رفيع لديهم يمنعهم من السوء في الحديث أو الاستقبال ولكن الله تعالى الحكيم العدل الغني الكريم لا يحابي ظالما ولا يقرب مجرما . وإن سكت الناس عن ذلك الفساد وتعاملوا معه وفق ما يريده المفسدون بدون إنكار ولا مقاومة له عمهم العذاب مع المفسدين ذلك أنهم مشتركون في الجرم وإن تضرروا منه ومشتركون في ضياع الأمانة وفساد المعيشة وإن كانوا هم المتضررين من ذلك فالسكوت مع القدرة على الإنكار والمقاومة يعد رضا ومشاركة .  حذّر تعالى الناس من الفساد الإداري والاقتصادي وصوره فقال { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } وقال سبحانه { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ () الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ () وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } والويل وعيد بالعذاب بكل صوره في الدنيا وفي الآخرة عذاب خاص وعذاب عام .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ } البخاري .
والساعة تعني النهاية وليس شرطا أن المقصود بها يوم القيامة بل ساعة ذلك الوطن أو المؤسسة أو المجتمع أو الأسرة وغيرها نسأل الله السلامة . الأمانة هي علامة الاستقرار والأمان للشعوب وتبدأ من الأفراد قبل المسئولين ولولا خيانة الموظف الصغير لما استطاع الموظف الكبير أن يخون ، فكل من أؤتمن على قرار أيا كان أو على كلمة مؤثرة في قرار ما فهو بين الأمانة وبين الخيانة ، بين حفظ وطنه أو إضاعته ، ومن الجرم أن يَتهم بالخيانة وإضاعة الأمانة المسئولين ثم يخون هو أمانته الصغيرة في نظره وهذا سبب أن الفساد قد عمّ وطمّ في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي خاصة فأصبح من المسلّم به اليوم وجود السرقة والاختلاس والرشوة والتربح بالوظيفة والخيانة للمسؤوليات والإهمال والتقصير وعدم الإتقان والمحسوبيات وبخس العامل حقه وعدم اعطاء الأجير أجرته وعدم أداء العامل لعمله بما يتفق عليه والإسراف والتبذير والبذخ الذي تجاوز حدود الزمان والمكان؛ وأصبح من المتعارف عليه أن المعاملات لا تنجز في وقتها بسبب الإهمال والتقصير وعدم استشعار المسئولية ولو كانت المعاملة لصاحب او موصيا عليه صاحب أو راشيا لأنجزت في لحظات ، وأصبح الغش والتدليس وفقدان السلع الأصلية و المماطلة واحتكار السلع ضربا من ضروب التجارة وما هذا إلا الفساد بعينه وما هو إلا نذير شؤم على الأفراد وعلى الأوطان نسأل الله العفو والعافية والسلامة الدائمة .
ومن الأمانة وأداء الحق الذي علينا في الأمانة أن ننكر على المفسدين ما استطعنا لذلك سبيلا وأن نتحمل تبعات ذلك الإنكار الذي لن يعدو تقديم توثيق لما ننكره من فساد ففي كل جهة حكومية أو خاصة دائرة معنية بتطبيق الأنظمة تُبلغ تلك الدائرة عن الفساد الحادث فيها ، وهذه وزارة التجارة أصبحت تراقب الأسواق من خلال المتسوقين فمجرد ما ترى من فساد بغش أو تدليس ونحوه فيمكنك التواصل مع الوزارة عبر أجهزة الاتصال الذكية من أي مكان في المملكة وتجاوبهم مشهود مثبت مشكور ، وأي فساد تراه في أي جهة حكومية وغيرها داخل المملكة تراه فإن هيئة مكافحة الفساد نزاهة تستقبل البلاغات حول ذلك ودوما نجد تجاوبهم مشكورا مع البلاغات غير الوهمية وتذكروا واستحضروا دوما قول الله تعالى { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } ومن استحق الدار الآخرة طابت له الحياة الدنيا نسأل الله من فضله


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل