للكلمة ثمنها فانتبه

يقول ربنا جل في علاه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً{ } يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } ها هنا توجيهات ربانية لمن أراد صلاح الدنيا والآخرة ليكن الله جل جلاله بين عينيك ولأجله أحسب حساب ما يصدر منك من قول أو عمل ، اعتن بكلامك جيدا فاللسان أخطر جوارحك وأقواها تأثيرا في حاضرك ومستقبلك لا يصدر منك إلا قولا سديدا أي حديثا مستقيما لا انحراف فيه عن الحق موافقا للقسط والمعروف لا كذب فيه ولا يهدف لتزيين باطل ولا يغرر فيه بطيب قلب واثق ، قولا لينا لطيفا متحرٍ فيه الصواب هدفه الوصول للأصلح للجميع.
وإذا كان الكلام الصادر منك سديدا كانت النتيجة ان توفق للأعمال الصالحة وأن تحفظ أنت وتُثبّت على الحق وتحفظ أعمالك فلا يعرض لها ما يفسدها ويضيّع ثوابها ونتيجة القول السديد أن يقبل منك ما قدمت وأن ترى ثماره مع الناس ومع ربك جل وعلا وهذا هو الفوز العظيم الذي ينشده الجميع وهو التوفيق والسداد فالكلمة أمانة ولها ثمنها سهلة النطق يسير خروجها ولكنها مكلفة ولا تعود بعد خروجها أبدا ولها متلقفوها الذين إن وافقت هواهم سيجعلون منها شجرة عظيمة أنت تلقي  والناس تستقبل فتغذي وتنمي كلمتك حتى تغدو كالشجرة وبنيتك ولفظك تكن شجرة طيبة تسرك وترفعك أو تكن شجرة خبيثة تسوءك إن لم تضرك فهي لن تحميك ولن تؤمنك. يقول جل وعلا ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء () تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ () وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ () يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ ))
حينما يأتي الحديث عن الحساب والجزاء فإننا نجد جزاء عظيما لكلمة خير خرجت بدون قصد ونجد عقوبة هي الأقل مدة في النار ولكنها هي الثمن الباهظ لكلمة خرجت بقصد أو بدون قصد يقول عليه الصلاة والسلام : إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ} البخاري. ويقول عليه الصلاة والسلام: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} متفق عليه.
إن رضا الله تعالى تجلبه كلمة كما أن سخطه سبحانه قد تجلبه كلمة يَقُولُ e إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ } الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني.
للكلمة ثمنها وقد وعد الله تعالى المتكلمين بأن يأخذ كلٌ منهم ثمن كلمته سواء أحبه أو كرهه
الكلمة أيا كانت هي سهلة خفيفة على اللسان ولكن لها آثارها الثقيلة ،  كم من كلمة كانت سببا في رفعة صاحبها وكم من كلمة تشفق على صاحبها فتصيح به دعني دعني ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ } متفق عليه.
ليكن حديثك إما خبر خير تحكيه للناس أو نصحا تقدمه لهم أو علما تنشره بينهم أو شرا تحذرهم منه أو حديثا تجدد به نشاطهم وهمتهم وحيويتهم وإلا فصمتا تقي به نفسك ومجتمعك من السوء والفساد. الناس في أحاديثهم ومع المتحدثين معهم كالطيور فمن الطيور من تحب الناس بطبعها سماع صوته وتطمئن وتطرب إن سمعته ومن سار على أثر صوتها وصل إلى إحدى جنان الأرض وزخرفها، ومن الطيور من لا يلقي له الناس بالا فوجوده كعدمه ونطقه كصمته ، ومنها ما يصده الناس ويطردونه لما يسببه من قلق وإزعاج ، ومنها ما تشمئز النفوس حين سماع صوته ومنها ما لا يسمع له صوتا إلا في حالة الخراب ولا يسير بناء على ندائها أحد إلا وكان سيره إلى خراب ، فاختر لنفسك أن تكون ذا لسان يحبه الناس ويطمئنون عند سماعه يثقون به ويدركون يقينا أنهم إلى خير إن سمعوا كلامه يرفعك الله درجات ودرجات في الدنيا وفي الآخرة ، وانتق من الناس من هو على هذه الشاكلة فإنه بحسب من تسمع له تكن ألفاظك الصادرة منك على مثاله، وبحسب حال من تسمع له تكن أمام الناس مثيلا له، وكما قيل الطيور على أشكالها تقع، فكن طيرا تشهد له الناس أنه في خير وأن السائر على أثره يسير إلى خير يفرحون لمرآه ويستبشرون به فالناس شهداء الله في أرضه ، واعلم أنه بحسب ما تسمعه وما يُسمع منك يكن تأليفك لكتابك الذي لن يفتحه غيرك ولن يقرؤه غيرك ولن يسر بما فيه من خير أحد مثلك ولن يستاء من سقطات فيه غيرك فاكتب كتابا يسرك ويبهجك وتذكر قول الله تعالى  {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } وقوله سبحانه { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ{} فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ{} إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ{} فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ{} فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ{} قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ{} كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ{} وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ{} وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ{} يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ{} مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ{} هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} تذكر هذا جيدا عبد الله واختر لنفسك ما تريد من الحالين فاصنعه الآن. خصوصا وحالات الاضطراب السياسي التي تعيشها دول الجوار هم إخوتنا وأشقاؤنا ، دماؤنا وأرواحنا وأرضنا واحدة ، مصلحتنا العامة واحدة ، نتأذى مما يتأذون منه ونتألم لما يتألمون منه ، فنحن لسنا في منأى عما يعيشونه وكعادة الناس يحبون معرفة ما يجري حولهم ولا يريدون أن يقفوا موقف السلبي الذي لا يهتم لما حوله وهنا تأتي أهمية الكلمة فإما كلمة سديدة يرفع الله بها صاحبها ويحفظه ومجتمعه بها وإما ضدها ولا وسط بين الحالين.
في حالات الاضطرابات السياسية والاقتصادية تكثر طائفة حذّرهم الله من جرمهم وحذّر الناس منهم هم المرجفون ، والإرجاف هو التخويف والترويع يقول جل في علاه { لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً{ } مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً{ } سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}  
وتأمل هنا لقد جمع الله تعالى بين ثلاثة أصناف من الناس المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون اختلفت مقاصدهم ولكن اجتمعوا في فساد قلوبهم فكانت عقوبتهم عقوبة مناسبة لجرمهم هي تسليط الحاكم عليهم واللعن والنفي والتشريد والقتل. من لا يؤمن باليوم الآخر ولا يؤمن حقيقة برب مطلّع قادر فستعرفه من منطقه حين الأزمات الخاصة به أو العامة فاحذر أن تصّف نفسك مع أولئك بحديث عن مؤامرة أو خيانة وكل ما فيه ترويع للناس وإن لُبِّسَ بلباس الخوف على الناس والتحذير لهم ، ومع برامج التواصل الاجتماعي فإن الكلمة لم تعد تحتاج لأكثر من نسخ ولصق ونشر وكم ناشر خبرا يظن ان الله يرفعه بذلك النشر والله جل جلاله ساخط على تلك الرسالة وعلى كاتبها فلم يزدد ناشرها إلا بعدا عن ربه ولم يقدم لنفسه ولمجتمعه إلا شرا وبتلك الرسالة التي أعاد نشرها ربما صفته الملائكة مع المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين وهو لا يعلم كم من إنسان ضاع عمره وهو حسب أنه يحسن صنعا والعياذ بالله تعالى.
قبل إعادتك لأي رسالة وقبل كتابك لأي جملة تغرد بها للناس تأمل حال المتلقي لها وكيف سيستفيد منها ؟ فبتأملك هذا تكون تلك الرسالة شجرة طيبة وبدون التأمل قد تكون شجرة خبيثة. احذر ممن يقول انشر لتؤجر أو انشر ليعرف الناس ماذا يراد بهم فتدبيج الرسالة وختمها بتلك العبارة وأمثالها دليل على خوف صاحبها من متأمل لا ينشر إلا بعد تأمل والختم بتلك العبارات إنما يراد به ختم العقول عن التفكير والتأمل بتلبيسها لباس البر والتقوى
قبل أن تتكلم أو ترسل تذكر قول الله تعالى  {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } أي الكلمات والأقوال الخبيثة لا تصدر إلا من خبيث الطوية فاسد القلب وإن بدت ملامح الصلاح والتقى في مظهره ، والكلمات والأقوال الطيبة لا تصدر إلا من أناس طيبة قلوبهم طيبة مقاصدهم تطيب الحياة معهم ، ومهما قال الخبيثون فيهم فإنهم مبرؤون مما قالوا يوما ما فلا تلتف لكثرة ما يقال عنهم   {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً }
حفظنا الله وأحبتنا من مظلات الفتن وهدانا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال وصرف عنا وعن أحبتنا سيئها وصلى الله وسلم على نبينا محمد


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل