حديث حول الفتنة

في هذه الأيام يكثر الحديث في المنابر وفي وسائل الإعلام عن الفتنة وعن التحذير منها، فما هي الفتنة؟
الفتنة هي بمعنى التعرض للاختبار في جانب أو اكثر من جوانب الحياة فتكون اختبارا للفؤاد وللقرار الفردي والأممي تأتي في العبادات وفي المعاملات المالية والسياسية والوظيفية وفي العلاقات الاجتماعية والأسرية.
هذا الاختبار قد يكون ابتلاء من الله تعالى وقد يكون تسلطا من الأعداء وقد يكون وسوسة وتلبيسا من الشيطان فهي فتنة بالشهوات وفتنة بالشبهات وفتنة أخرى بتسلط الأعداء، والناس هم موقدو الفتنة وهم وقودها، ولو لم يدع أحد إلى فتنة لما نهضت ولو أن من دَعَى إلى فتنةٍ لم يجد مُجِيباً لماتت الفتن وسلم الناس.
تمتاز الفتنة بأنها تتزين بما يخفي حقيقتها ولا تخبر عن نفسها أنها فتنة، وللفتنة أياً كانت هدف رئيس هو تغيير المعتقد أو المبدأ الذي عليه ذلك الفرد أو ذاك المجتمع إلى الضد، ولأجل ذلك فهي تأتي في أجمل صورة وأبهاها فتغري من تستهدف لفعل ما يجب تركه ولترك ما يجب فعله تزين القبيح وتقرّب الأحلام والأماني وتجعلها كالحقائق الملموسة. وقد أخطأ كثير من السابقين واللاحقين حينما قصروا تعريف الفتنة على حالة واحدة هي تلك التي لا يمتازُ الحقُ فيها من الباطل فيقف المسلم بين امرين مستشكلا الحكم الشرعي ومتخوفا من العاقبة وإنما هذه حالة واحدة من حالات الفتنة وليس كل أحوالها، من أحوال الفتنة وأنواعها طلب الباطل بغض النظر عن النتائج ، وطلب الحق الذي تُجهل عواقبه أو يغلب على الظن أن ضرره أبلغ من نفعه ، وطلب الحق حينما تكون المصلحة المرجوة مجرد وهم وخيال هو فتنة وكذلك تكون الفتنة في المطالبة بالحق إذا خشي أن تؤول تلك المطالبة إلى مطالبة بالباطل. كما أن القرب من المحرمات هو فتنة كمن يستهين بمحادثة النساء عبر برامج التواصل او يستهين بمشاهدة المنكرات والمحرمات والاستماع إليها بدعوى استحالة وبُعد وقوعه في المحرم فتلك فتنة لأنها تزين وتغري بالقرب من الوقوع في الخطيئة ولأن فيها تزكية مذمومة للنفس ولأنها تساعد في تغيير فكر أو عقيدة أو خلق من تستهدفه ومن يعيشها.
في الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم سأل بعض التابعين الزبير رضي الله عنه كيف وقعتم في الفتنة وأنتم الصحابة فقال : إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم { وَاتّقُواْ فِتْنَةً لاّ تُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصّةً } لكن لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت. رواه الإمام أحمد. فالجميع معرض للفتنة والنادر من الناس من يدرك أنها فتنة عَنْ حُذَيْفَةَ  أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ عَرْضَ الْحَصِيرِ عوداً عودا فَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَصِيرَ الْقَلْبُ عَلَى قَلْبَيْنِ أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا لاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرِ أَسْوَدَ مُرْبَدٍّ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا وَأَمَالَ كَفَّهُ لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ} مسلم وأحمد.  وهنا فوائد نستقيها من هذا الحديث منها
1/ أن الفتن كثيرة ككثرة أعواد الحصير تمر بالعباد بشكل مستمر كما هو اصطفاف أعواد الحصير - والحصير سجاد قديم ينسج من الخوص وسعف النخيل ونحوها – فكما نعرض أعواد الحصير فكذلك الفتن.
2/ الجميع بدون استثناء معرض للفتنة بأي صورة تصورت وعلى أي صفة أتت وفي أي مجال استهدفت العقيدة أو الخلق أو السياسة أو المال تأتي على لسان قناة فضائية أو صحيفة إعلامية أو شيخ أو متحدث أو زعيم أو والد أو صديق أو زوج وولد وهذا يوجب علينا أخذ الحيطة والحذر، يقول ربنا جل في علاه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{} إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ{} فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } فإذا كان القريب بهذه الدرجة قد يكون عدوا وطبعا ليس عدوا مقاتلا بل عدو فتان عن الحق وعن الخير إلى الضد فإن غيره من باب أولى.
3/ من الحديث نعرف صاحب الفتنة الداعي إليها والواقع فيها وذلك بأمر سهل ويسير هو استباحة ما كان محرما، وليس مجرد وقوع في ما حُرّم، (لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) فأنت تعلم وتؤمن بحرمة أمر ما فتستبيحه أو تدعى لاستباحته أو يستبيحه محدثك لأجل موافقة ذلك لهوى النفس ولأنه سبيل تحقيق أهدافها. الغيبة الجميع يعلم ويؤمن بحرمتها تستباح وتوجد المبررات لها بدعاوى كثر، الافتراء والكذب والتهم بغير بينة واضحة معلوم حرمتها وجرمها وعقوبتها ومع ذلك تستباح بدعوى إرادة الخير والصلاح فاستباحتك لما تعلم حرمته ومجاراتك وموافقتك لمن دعاك لذلك دليل لك على وقوعك في الفتنة وأنه مراد جرك لفتنة.
واعلم أنك في كل شأنك وأحوالك وما يعرض لك بين أمرين:
       إما أن تكون صاحب قرار مؤثر كما في بيتك وفي مالك ووظيفتك وبقية شأنك الخاص.
      وإما ان تكون غير ذلك كما في بيت غيرك ومال غيرك وأحوال الآخرين الاجتماعية والسياسية التي يكون مصدرك بالعلم فيها نقل الآخرين للحديث والأخبار  عنها.
 وكذلك أنت مع الفتن بين أمرين:
                   إما أن يراد تغيير ما أنت عليه إلى الضد.
                   أو جرك لتغيير الآخرين إلى ضد ما هم عليه.
وفي كل الأحوال اتق الله ما استطعت اسمع وأطع لربك ولرسولك بترك ما حَرُم وبلزوم ما أحب وأوجب واستعن بالطاعات من صلاة وزكاة وتلاوة ومجالسة الصالحين على الثبات.
والله جل في علاه قد حذّرنا الفتنة وبيّن لنا كيف يقع الناس فيها وعلمّنا سبحانه كيف النجاة منها في أي صورة كانت وبأي لباس جاءت ولأي هدف تطلعت وعلى أي لسان نطقت يقول جل في علاه في سورة الأنفال
 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ {} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ {} إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ {} وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ {} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ {} وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {} وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {} وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ {} يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }
فانتبه كلما سمعتَ دعوة هدفها تغيير وضع قائم ومستقر واتبعتْ أسلوبا محرما كالغيبة والنميمة والسب والشتم والاتهامات الكاذبة فارجع لهذه الآيات وتدبر أمرك.
الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما كانت بسبب مطالبة كل منهما بحق ولكن أدرك الكثير من الصحابة أنها فتنة فقعدوا ولم يشاركوا  قال محمد بن سيرين رحمه الله تعالى : (هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين) وقال الشعبي رحمه الله تعالى لم يشهد الجمل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غير علي وعمار وطلحة والزبير فإن جاوزوا بخامس فأنا كذاب). قال ابن تيمية رحمه الله : ( والذين قعدوا عن القتال جملة أعيان الصحابة كسعد وزيد وابن عمر وأسامة ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة ) أ هـ
وفي هذه الفتن السياسية الواقعة اليوم كلنا لسنا بأصحاب قرار وكلنا يراد جره للمشاركة في الفتنة بكلمة أو بنشر كلمة فلا تظن نفسك خير من صحابة رسول الله رضوان الله عليهم فتحمّل نفسك ما لم يحملها الله أو تحمّل مجتمعك ما لم يفرضه عليهم الله أو تنقل ما يثير البعض فتوقعهم فيما حرم عليهم من قول أو عمل عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونٌ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ ، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قَالَ  السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ} أحمد وابن حبان. وكل ذلك بسبب اتباع الهوى
اللهم احفظنا الله وأحبتنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن ودافع اللهم عنا واحفظنا من كل مريد سوء بنا ورد كل متربص مغتاب نمام فتّان بغيظه لم ينل خيرا واجعل اللهم سعيه وبالا عليه وخيرا لنا في ديننا ودنيانا وصل وسلم ربنا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل