خطبة عيد الفطر 1434
الحمدلله هلّ العيد لتهل معه الأفراح، فرح ببلوغ رمضان، وفرح بإتمام الصيام، وفرح بأيام كانت فيها الصلة بين العباد وخالقهم في أبهى صورها وأجملها وأصدقها، اليوم يوم الفرح، وتاج الفرح هو التواصل بين الأحبة وأعظم حبيب يُفرح بصلته ويَفرح هو بالصلة ربنا جل في علاه فهنيئا لمن أحب الله صلته فبعثه في هذه الساعة المباركة لهذه الصلاة وهنيئا لمن بعثه الله للصلاة في أوقاتها.
في رمضان عشنا مع القرآن فوجدنا منهجا للحياة منهجا للنهوض بالناس نحو الدرجات العلى في العبادة وفي الأخلاق وفي قيادة الأمم فإن أردنا علو الدنيا وعلو الآخرة فليكن لكتاب ربنا من وقتنا ومن فكرنا ومن عنايتنا النصيب الأكبر.
في كتاب ربنا أن رحمة الله نعمة ومنة منه سبحانه للخليقة كافة ولكنها حق عليه جل جلاله للمؤمنين خاصة {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } هذه عناصر تكامل المجتمع وهي أسباب استحقاق الرحمة بوعد الله، ولن يضل ولن يخيب من كانت رحمة الله محيطة به وحامية له فلنتعلم تلك العناصر الستة ولنعتن بها وبتطبيقها في واقع حياتنا نفز في الدنيا وفي الآخرة، لقد بدأ الله تعالى بذكر موالاة المؤمنين لبعضهم البعض ذلك أن الرابطة الإيمانية رابطة فوق كل اعتبار فيجب احترامها واعتبارها والوقوف عندها.
لقد خطط الصهاينة وأعوانهم لاستنزاف العرب من خلال حروب توقف النمو المعرفي والاقتصادي وتزرع التفكك بين دولهم ومجتمعاتهم وذلك كل عشر سنوات بحد أقصى، وتأمل التاريخ العربي منذ عام 1948 أي مع بدء الظهور العلني للتنظيم الصهيوني في فلسطين وحتى يومنا هذا تجد دقة تنفيذ ذلك، ولِما لحقهم من تبعات اقتصادية وسياسية وأمنية جراء دخولهم المباشر في تلك الحروب فقد قاموا بتطوير نوع قديم من الحروب استخدمه أجدادهم مع الأوس والخزرج، لا تستخدم فيه الأسلحة النارية ولكنه أشد فتكا وتدميرا، تستخدم فيه وسائل الإعلام والقوى الدينية والأحزاب السياسية والعمليات الاستخبارية وذلك بشن الحروب النفسية وإشاعة الفتن وصناعة الأكاذيب وإثارة النزعة الطائفية لتضخيم الانقسام بين الفئات ليصلوا بذلك لأسلوب دمّر نفسك بنفسك، فحققنا لهم مرادهم وبدون أية تبعات عليهم وهذا هو ما حذرنا منه نبينا عليه الصلاة والسلام حيث يقول: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم } مسلم. ما هي التبعات التي لحقت اليهود جراء تدمير سوريا أو الاضطرابات في بعض الدول ؟ وماذا جنت شعوب الخريف العربي ؟ سوى تشف من رئيس ظالم طاغ كان الوضع معه أفضل مما هو بعد رحيله. بل ماذا جنينا نحن هنا من نقل الصراع السياسي في مصر إلى صراع فكري هنا ؟
نلوم الأوس والخزرج على ما حدث منهم في الجاهلية ثم نكرر نفس الأخطاء والسلوكيات لتلومنا الأجيال اللاحقة.
لا نجاة للعرب مما حل بهم إلا بما نجا به الأوس والخزرج وهو أن نكون أنصارا، نعي الخطر فنوثق روابطنا الإيمانية ولا نسمح بخدشها مهما حدث ومهما سمعنا ، نعي أن جميع القنوات والصحف الإخبارية لا تنقل الحقيقة كما هي بل تنقل ما يساعد في تحقيق أهداف من يغذيها فتكذب وتزور وتنتق وتنشر ما يلائمها هي ، ومثلها من ينقل الأخبار من مصادره الخاصة ، لا نحكم ولا ننقل حكما ليس لنا فيه مصلحة أو لا يطلب منا فيه رأي أصلا ، ولننشر مبدأ العفو والتسامح مهما قست النوازل {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ } ومن يرجو لقاء الله فهو أولى بالعفو والمسامحة ممن لا يرجوه.
وأمر مهم يجب أن نتنبه له وهو أنه كما لا يقبل ولا يستساغ من الملك ولا من وزرائه أن يصدروا الفتاوى الشرعية للعامة فكذلك لا يقبل ولا يستساغ من أهل العلم تقديم التحليلات السياسية للعامة ، كان علماء السلف يشاركون في القتال ثم يحرضون الناس امتثالا لقول الله تعالى {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } أما مجرد التحريض فلن يكف بأسا ولن ينكّل إلا في شبابنا المتحمس لدينه وفي أهاليهم.
الخريف العربي المسمى زورا بالربيع هو فتنة عمياء حولت بلادا عربية كانت آمنة مطمئنة إلى ما نرى ونسمع، وبسببها أصبحت السياسات والفتاوى تبنى وفق رؤى حزبية وشخصية صيرت الخلاف بين الإخوة حربا بين إسلام وكفر، وتغذية لهذه الفتنة يقحم الناس هنا وهناك رجالا ونساء صغارا وكبارا بدون تمييز في النقاش حولها وجُعِلَ نشر أخبار معينة فريضة واجبة وجعل الكافّ عن الحديث حولها وعن نشر رسائل منددة أو مؤيدة مشاركا في الحرب ضد الإسلام وما كأن بين ايدينا كتاب ربنا ولا سنة نبينا عليه الصلاة والسلام وما كأن لنا تاريخ مشابه مؤلم ولا تجارب قريبة تألمنا بسببها كثيرا
وفي مثل هذه الفتن هناك توجيه نبوي يجب امتثاله ويجب تعليمه لناس عن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله ما النجاة ؟ قال أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك} رواه الترمذي وصححه الألباني. على كل منا معرفة دوره وواجباته في هذه الدنيا وعدم تحميل نفسه ولا أسرته ولا مجتمعه ما لم يحملهم الله حتى لا يزل بكلمة أو ينقل كلمة توبق دنياه وأخراه. وعلينا سلوك طريق العزة الذي وضحه ربنا جل وعلا وبينه لنا بقوله {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } فلا عزة ولا سؤدد مع سلاطة اللسان وبذاءة الكلام ولا في الكيد للآخرين، انتق كلماتك وانتق ما تَسمع وما تُسمّع وما تكتب وما تقرأ لا تبحث عما يوافق هواك ويرضيك غضبك بل ابحث عما فيه السلامة والمناجاة ولا يستهولنك مكر الحاسدين والمنافقين فإنك إن أعرضت عنهم ولم تتفاعل مع مكرهم وكيدهم فلن يضروك إلا أذى أي مجرد حديث تطير به الريح، عزتك وهيبتك بحسب رقي كلماتك ومدى صدقها ونفعها وبحسب أعمالك التي يلمسها الناس لا التي يتحدثون عنها ولا أثر لها. أيها الأحبة رجالا ونساء لنتفقه في الدين ولنعرف عن ماذا سنسأل ؟ وعن أي شيء سنحاسب ؟ للحياة أولويات يجب مراعاتها فمستقبلك الدنيوي والأخروي هو أول وأهم الأوليات وستحاسب عليه ثم أسرتك تَعقِبُ نفسك في درجة الأهمية ولها حق الاهتمام بتربيتها على القيم ورعايتها صحيا وفكريا وترفيها ثم مجتمعك في الحي الذي تسكن فيه ثم بقية الأمة فلا تخالف ترتيب الأوليات فتضل ويضل سعيك.
أيها الأحبة التعبير عن الحب مطلب شرعي وفطري وجهلا من البعض قصره في النطق بألفاظ لم يعتد عليها المجتمع إن لم تنطق فالحب معدوم مع أنها ألفاظ تطلق ولا يراد معناها في كثير من الأحوال وهذه من الرسائل السلبية التي بثها الكثير جهلا وأدت لانحرافات جسام لدى الفتيان والفتيات. أيها الأبناء والبنات أيها الآباء والأمهات أيها الأزواج والزوجات إن التعبير عن الحب يكون بنطق ألفاظ مُصرِحة به ويكون وهو الأكثر والأصدق بالقول الطيب وبالفعل المُحَبب ، عفو عن الخطأ ونسيان له، فتح صفحات جديدة بعد كل مشكلة، نفقة حسب الوسع والطاقة، رعاية صحية وتربوية، تفان في خدمة منزلية وخاصة، وصور متعددة تنبئ عن حب يحمل الولد والوالد والزوج على تحمل أعباء ثقيلة لأجل من يحب والجمع بين اللفظ والفعل أحسن التعبيرين عن الحب.
أختي الفاضلة أنت ربة المنزل وقائدته الحقة ولست عماد بيتك فقط بل أنت عماد دينك ووطنك، سلعة الله غالية وقرة العين لا تأتي بدون تعب ونصب فحينما ترعين القيم مع أولادك وتتعبين في البحث عن لبس مناسب محتشم وتعرضين عن رخيص الثمن قريب المنال أو عن لبس يحمل شهرة عالمية لمخالفته للقيم عندما تتعبين مع زوجك وأولادك لأجل الصلاة ولا تفقدين مرحك وأمومتك معهم فأنت عماد متين لا تنهضين ببيتك فقط بل بالحي الذي تسكنين فيه وبكل من يراك ويرى أثرك في أسرتك فكوني مظلة للمجتمع يكون الفردوس الذي هو قبة الجنة مقرا لك.
أيها الأحبة في المجمعة مركزا فريدا من نوعه يساعد الأسر في تحقيق السكينة والوئام هو مركز سعداء فحق عليكم لمن أحببتم أن تدلوهم عليه إن وجدتم عندهم مشكلة أسرية صغيرة او كبيرة فما خاب من استشار.
كذلك يوجد قسم نسائي في مكتب الدعوة وتوعية الجاليات له جهود طيبة ملموسة في دعوة وتعليم المسلمات غير المسلمات من العاملات الأجنبيات من كان منهن في المنازل أو الجهات الأخرى فاستفيدوا من خدماته نفع الله بالجميع
عباد الله كلنا نتعب وننصب في الحياة وكلنا نواجه حسادا ومُثبّطين كلنا نبحث عن الرزق وسعته وفي ذلك يجب أن نتذكر قول الله تعالى { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى{} وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى{} وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} وقوله جل في علاه { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } فاستعينوا على دنياكم بالصلاة وبتلاوة القرآن
الله اكبر رحل رمضان بعد أن قدّم للمسلمين دروسا عظيمة في التربية أهمها قدرتهم على اتخاذ قرار يغير حياتهم ويبدل نظام معيشتهم التي اعتادوها فلا عذر بعد رمضان لمن يقبل بالأقل وبيده الوصول إلى الأفضل. ختم الله لنا شهرنا بالقبول والغفران والعتق من النيران وبارك لنا في يومنا هذا وفي سائر الأيام وعمر قلوبنا بالإيمان وبالحب لإخواننا من المؤمنين وأنزل بركته علينا وعلى بلادنا وأسبغ نعمه علينا وزادنا من فضله أمنا وإيمانا ورخاء واتفاقا وتقبل منا ما قدمنا وما أخرنا وغفر لنا ما قصرنا وما أخطأنا وما جهلنا وما تعمدنا إنه هو الغفور الرحيم وجعل عيدنا سعيدا وكل أيمنا عيدا الله أكبر الله أكبر ولله الحمد وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
تعليقات
إرسال تعليق