الترفيه فطرة وحاجة للأطفال

إن مما قضى الله تعالى به أن استقامة حياة الإنسان تعتمد على توفر حاجات عدة روحية وجسدية ورقي الإنسان في الحياة معتمد بالدرجة الأولى على التوازن في استخدام تلك الحاجات ، وطغيان بعضها على بعض عنوان لفشلٍ وضياعٍ قد يشمل الدارين الدنيا والآخرة.
فالإنسان بحاجة للطعام والشراب وبحاجة للصلة الروحية بخالقه صلاة وتلاوة وذِكراً، وهو بحاجة للصلة الاجتماعية وبحاجة للعزلة أحيانا، وهو بحاجة ماسة للترفيه ترويحاً عن النفس وتنشيطا لها للقيام بمهامها ومسئولياتها  بل وتكوينا للشخصية العامة للفرد.
 الميل للهو والترفيه والبعد عن الرتابة في الحياة وحب تغيير أنماطها المعتادة من الفِطر الإنسانية وهي غريزة بشرية أولتها الشريعة الإسلامية عناية بالغة فأوصت بإشباعها والعمل على إشباعها لدى من تولى الفرد مسئولية رعايتهم وتربيتهم ، كما أن من اهتمام الشريعة بهذه الغريزة أن وضعت خطوطا تحد تلك الغريزة وتحفظها من الإفراط ومن التفريط، وإن من الجهل بالإسلام تصويره كعدو للفطرة والغرائز البشرية والمصالح الإنسانية وذلك بالسماح لإحدى الغرائز بالطغيان على الأخرى سواء الروحية أو الجسدية عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي} البخاري. فهنا مراعاة لكل الحاجات الروحية والجسدية لا انفلات ولا تضييق بل توازن واعتدال يقضي الحاجة ويحقق المصلحة المرجوة ويهذب الغريزة ويسمو بالنفس.
وأعظم وأهم مرحلة يجب مراعاة التوازن لما فيها من بناء وتكوين الشخصية العامة الحاضرة والمستقبلية  للفرد فيها هي مرحلة الطفولة.
وأحب ما لدى الأطفال لعب بالحب والحنان من قبل الكبار، وللمؤمنين في نبيهم عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة في هذا المجال مجال ترفيه الأطفال بل وحتى في ترفيه النساء والشباب وكافة شرائح المجتمع. ونحصر حديثنا فقط حول الأطفال فهو عليه الصلاة والسلام أفكه الناس مع الصغار فنجده يحتضن أطفاله وأطفال من زاره من أصحابه ويحملهم ويلاطفهم بالقول ويدللهم بتصغير أسمائهم، وحبا من الصحابة لإدخال البسمة على نبيهم لما أدركوا حبه لملاطفة الأطفال فإنهم يقدّمون الأطفال في الاستقبال له حين قدومه عليه الصلاة والسلام من سفر أو قدومه لزيارة خاصة، وقد جاء في قصة قدوم المهاجرين إلى الحبشة للمدينة ( وكان لخالد بن سعيد ابنة صغيرة عليها قميص أصفر فقال لها أبوها اذهبي فسلمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكبت عليه ثم جعلت تريه قميصها فلاعباها ودعا لها بطول العمر وتجدد اللباس ) أ ، هـ بتصرف. وعن أسامة بن زيد قال إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأخذني ويقعدني على فخذه ويقعد الحسن على الأخرى ثم يضمنا ويقول اللهم أحبهما فإني أحبهما، وكان يمازح الصغار وربما مجّ الماء أي بخ الماء بفمه في وجه بعض الصغار، ومرة صفّ عبد الله وعبيد الله من بني العباس وقال: من سبق إلى كذا فله كذا وكذا، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبِّلهم.
فاللهو مع الكبار حين يحاط بالحب والحنان هو أمتع ما لدى الأطفال وأكثر ما يدفعهم للاقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم، وفي تقرير رباني لحاجة الأطفال للعب يقول جل وعلا عن يعقوب وبنيه في قصة يوسف عليه السلام  {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } فحينما يتوفر الأمن للطفل يجب أن يتاح له اللعب واللهو وهذه فرصة لا تعوض في نظر الآباء المحبين لأولادهم، يستسلمون لها مهما كان تخوفهم، أدرك ذلك أولاد يعقوب فحازوا بغيتهم واستسلم لهم فسلم ولده مع تخوفه وأقره الله تعالى على ذلك الاستسلام لتلك الفرصة فرصة لهو الصغار بأمان.
 ولأن لهو الأطفال عادة لا يُحد ولا ينضبط فيجب اختيار المكان المناسب الآمن والوقت المناسب للعب ولقد حذّر النبي عليه الصلاة والسلام من ساعة في اليوم وأمر بكفهم عن اللعب حينها فعن جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا} متفق عليه.
كذلك مما يجب الحذر منه تلك الألعاب الإلكترونية التي تسرق الوقت وتستنزف الذهن في التركيز وتحرق الأعصاب بالشد وتسرق قوة البصر وتبلد الجسد عن الحركة وتولد السلوك العدواني فإن تلك الألعاب على ما فيها من متعة إلا أنها إن طغت دمرت العقل وأذبلت بالجسد لن نستطيع منعهم منها إن أردنا ولا يحق لنا حرمانهم منها ولكن واجبنا أن نحد منها وأن نقنن وقت ممارستها ونعوضهم عنها بتأمين ألعاب حركية ممتعة أو نزهات خارج المنزل بعيدا عنها فاللعب الحركي ضرورة لسلامة الأجساد والعقول ولبناء الشخصية وحسن السلوك.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل