الزوج نعمة وآية تستوجب الإدراك والرعاية 21 / 7 / 1434هـ
نقف اليوم مع آية من كتاب الله تعالى آية تحكي فضل الله ورحمته وحكمته وتكشف مدى عناية الله بعباده يقول جل في علاه {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } سورة الروم ( 21 )
يستفتح سبحانه هذه الآية بكلمة ومن آياته لينبه على أن ما سيذكره أمرا عظيما خارجا عن قدرة البشر ولو أنهم هم من يعيشه ويستفيد منه، وأنه آية يستدل بها على عظمة الله وعلى حكمته وقدرته فقد جاءت هذه الآية بين آيات كلها تستعرض قدرة الله وحكمته، ( سورة الروم الآيات 19 – 25 ) ليشير سبحانه إلى أن هذه الآية التي لا يدرك عظمتها الكثير لا تقل عظمة عن عظمة خلق البشر من تراب ولا عن عظمة اختلاف ألوان البشر ولغاتهم ولا عن عظمة النوم بالليل وطلب الرزق بالنهار ولا عن عظمة ما يحدثه البرق من خوف وطمع في النفوس أو ما يحدثه نزول المطر من حياة للأرض بل هي آية كما أن بعث الناس من قبورهم بصيحة واحدة آية عظيمة عجيبة فكذلك هذه الحياة الزوجية هي آية عظيمة عجيبة يجب التفكر فيها لاستنباط أوجه العظمة الإلهية فيها حكمة وقدرة وفضلا .
في هذه الآية نجد الخطاب الإلهي لم يستفتح بما يشير أنه للذكر دون الأنثى لنستوحي أن الخطاب عامّ لهما. فمن آياته سبحانه وتعالى العظام وفضائله السابغات على عباده خلق هذا الزوج، ووجود هذه الحياة الزوجية وتأمل يقول سبحانه ( خلق لكم ) إذن فأنت أيها المخاطب ذكرا أو أنثى أنت أهل الحاجة وأنت أول المستفيدين من هذه النعمة الآية ، والزوج لا يعني الرجل فقط بل يعني الرجل والمرأة؛ لأن كلمة (زوج) تُطلَق على مفرد معه مثله فكلُّ واحد منهما زَوْج والزوج بمعنى الشريك الذي لا تكتمل الصورة بدونه، وهذا الزوج لم يخلق من طبيعة أو من مكونات غريبة عنكم، وأنت حين تريد تبيان مقدار ولدك عندك تقول هو مني والله تعالى يقول لنا {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً } والتأكيد في عدة آيات على أن أزواجكم من أنفسكم تأكيد للامتزاج والقرب كما هو قرب اللباس من الجسد وحاجة الجسد للباس { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } وفي الحديث ( إنما النساء شقائق الرجال ) وهذا تأكيد لمستوى العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام فهما جزآن لا ينفصلان، والعلاقة بينهما تكاملية لا تنافسية فكل واحد هو معين للآخر وساد النقص الذي حصل عند شريكه. فهذه النعمة نعمة الزوج هي منكم ولكم منشأ بعضكم من بعض لمصلحة خاصة بكم فاتقوا الله بإدراك هذه الآية وباستشعار هذه النعمة واسعوا لتحقيق المقصود منها. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} الغرض الرئيس من الحياة الزوجية هو السكن النفسي والراحة النفسية والاستقرار والطمأنينة {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } كلا الزوجين مقر ومستودع للآخر. والله سبحانه يقول ( لتسكنوا إليها ) ولم يقل لتسكنوا معها ليبين لنا أن المقصود هو الروح والنفس، ولك أن تتصور مخلوقا خُلِق في كبد أي في مشقة وتعب ونصب يواجه مصاعب ومتاعب الحياة يواجه آلام عدة وآماله واسعة ممتدة جسده متعب وروحه مضطربة متوترة يظل هكذا طول عمره مسكنه لجسده فقط دون روحه، فهل ستغني راحة جسده عن راحة روحه؟ للحياة استثناءات ولكن في العموم لابد من مسكن للروح تسكن فيه وإليه لتزول متاعب الجسد وإلا كانت حياة ناقصة في جوانب عدة.
ولتكون الحياة الزوجية محققة لهذا الغرض فإن الله سبحانه وتعالى يهب الزوجين نعمة أخرى تحقق المقصد { وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } عادة ما تجد بين الزوجين مودة لا تكون بين الأصدقاء بل ولا تكون بين الإخوة في البيت الواحد، انظر للمرأة مصانة في بيت أهلها غريبة عن ذاك الرجل فما أن يعقد عليها حتى ولو لم يلتقيا فإنهما يشعران بالود والتقارب بينهما فإن سافر أحدهما أو تأذى لأمر ما فإن الآخر يتألم وقد يبكي.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ} البخاري.
الود خُلقٌ جعله الله تعالى في النفوس طبيعة وهو يتآلف مع ما لدى الطرف الثاني تلقائيا إذا تلاقيا، والود ألفة لا يجلبها المال ولا تجلبها السياط وإنما نعمة إلهية تعرف طريقها إلى أهلها يُحافَظ عليها بحسن العشرة وطيب الكلام. وللزوجين إضافة للود من الله نعمة أخرى هي رحمةٌ تداوي الجراح وتمسح الألم قال ابن عباس رضي الله عنهما قال: المودة حب الرجل امرأته والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء.
ثم يختم جل وعلا هذه الآية بقوله { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فمن عاش في حياته الزوجية ذكرا كان أو أنثى وفق ثقافة من سبقه أو عمِل برؤية من فشل في حياته أو وفق ما يصوره الإعلام من علاقة تنافسية مقيتة بين الزوجين فحري أن لا يتمتع بتلك النعمة بل إن النفرة والصدود سيحلان محل السكينة وسيكون التربص والشماتة حالّين محل الود والرحمة، أما من لديه يعقل يفكر به وبصيرة يبصر المستقبل من خلالها فسيعرف أنه في نعمة وأن هدية عظيمة قدمت له فتجده يُعمل فكره كيف يستخرج تلك المكنونات العظيمة من شريكه لينشئ بيتا مقرا للروح وللجسد بحق ومستودعا للأفراح وللآمال بحق.
وكما سبق في البداية فالخطاب للطرفين في كل ما سبق وهما مسئولان جميعا عن مدى تحقق كل ما سبق أما أن يتكئ أحد الشريكين وينتظر الآخر يقدم له ذلك كله فإنما يطلب مُحالا وإنما بفعله هذا يرفع معولا يهدم به بيته ويفرق به شمل أسرته.
يقول أهل التربية إن الإنسان في كل مراحل حياته صغيرا كان أو كبيرا ذكرا أو أنثى فهو بالإضافة لحاجته للمأكل والمشرب والملبس والمسكن هو أيضا بحاجة لأمور أربعة حنان وحب وخدمة وصداقة ومتى ما كان كل واحد من الزوجين هو أب أو أم للآخر، وزوج محب عاشق، ومعين على الحوائج وخادم، وصديق يستمع ويشارك ويقدم الرأي في الهم والأمل، بمعنى كان يمثل أربعة في جسد واحد كان البيت مستوفيا أركان الحاجة البشرية وكان مظلة لا يستطيع أحد من الزوجين ولا من الأولاد الخروج عن حدودها حتى ولو أراد ذلك لأنهم استغنوا ببعضهم عن غيرهم ولأنهم قيدوا بقيود الحب والوئام.
الود والتراحم بين الزوجين حق لكل منهما على الآخر لا يصح أن يقتطع شيء من ذلك الحق أبدا، ولو احتاج الأولاد أو الوالدان لحب ورحمة فلأولئك حقهم وللزوج ذكرا أو أنثى حقه في الود والتراحم، والنفس البشرية مهيأة برحمة الله وحكمته لاستيعاب الجميع ولكن الأمر بحاجة لحسن تدبير.
الحياة الزوجية لها مكانتها الخاصة عند ربنا جل وعلا ولذا فقد تولى سبحانه تنظيمها بنفسه المقدسة بداية ونهاية وما بين ذلك وجعل من نبيه الحبيب عليه الصلاة والسلام كتابا مفتوحا يقرأ ويتأمل فيه كل من أراد تحقيق بيتا مُستقِرا مُستَقَرا ومستودعا لا تنفد خزائنه من الود والتراحم والآمال والتطلعات الخيرة، يعيش النبي صلى الله عليه وسلم بيتا هو الأفقر والأصغر في المدينة وهو الأكثر تباينا بين الشركاء عمرا ومكانة ولكنه بيتا هو أكثر البيوت سعادة ووئاما وجذبا لأهله ذكورا وإناثا وما ذاك إلا لأن قائد البيت ورب الأسرة أعمل فكره لاستخراج كنوز شريكته في كل بيت على حدة فكانت بيوتا مزدهرة مزهرة، فلنمنح أيها الأحبة بيوتنا عناية كعناية الله تعالى بها ما استطعنا لنستظل بظل الود والرحمة فيها.
اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
21 / 7 / 1434 هـ جامع منيرة التويجري بالمجمعة
تعليقات
إرسال تعليق