من آداب الصلاة خطبة جمعة
من آداب الصلاة الجمعة 19 /4 / 1434هـ جامع منيرة التويجري بالمجمعة
إن من أعظم ما عظّمه الله تعالى وأمرنا بتعظيمه هو فريضة الصلاة، فهي فريضة ربنا جل وعلا هو من يستقبل أهلها وهو سبحانه من يرحب بهم، وتعظيم الله جل جلاله للمصلين واهتمامه بهم يكون بحسب تعظيمهم لهذه الفريضة واهتمامهم بها. وهل من تعظيم أعظم من أن يكون الملك يرقبك منذ خروجك من منزلك وسيتقبلك فيكون تلقاء وجهك يفرح بك فينظر طلبك ومسألتك؟ إنها الصلاة التي كثيرا ما نسيء الأدب فيها.
إن من تعظيم الله تعالى لهذه الفريضة أن جعل لها آدابا يجب الالتزام بها وآدابا يحب سبحانه الالتزام بها.
يضاعف سبحانه المثوبة لكل من التزم بشيء منها وذلك تعظيما لها ولمن عظّمها.
من أبرز هذه الآداب أن تكون هذه الصلاة همّ المسلم وتفكيره، والهمّ بالشيء هو الخطوة الأولى لعمله، ولذا عظّم الله الهمّ بالعمل الحسن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ} مسلم.
والمهتم بصلاته ينظّم حياته تبعا لتوقيتها، فنومه وتحركاته غدوه ورواحه بداية عمله ونهايته في كل شأنه يرقب أوقاتها حتى لا تفوته جماعتها فضلا عن وقتها، فهو مستعد لها نفسيا قبل دخول وقتها ويتهيأ لها التهيؤ الذي يليق بمقام من يستقبله فيها.
لأن المقام عظيم شرع تعالى للصلاة وضوء به يتطهر المسلم للقاء يتطهر من النجاسة المعنوية ويتطهر من ذنوبه وخطاياه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ} مسلم. وإذا طهرت الروح والبدن وغُسل السجل فعاد كل ذلك نقيا جميلا يسر من يراه فمُهِمُ أن تكون الملابس كذلك تسر الرائي بنظافتها وجمالها يقول سبحانه {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } تصح الصلاة ويقبل الله تعالى الوقوف بين يديه بكل لباس يستر العورة ولكن من الأدب أن يكون لكل مقامٍ هيئةٌ ومقالٌ يناسبانه والمسجد أطهر البقاع والوقوف بين يدي الملك الخالق العظيم أعظم موقف فلا موقف ولا مكان أولى بجمال اللبس وكماله ونظافته من هذا.
من آداب الصلاة المشي بطريقة لا تخل بالآداب العامة ولا توحي بالتثاقل والكراهية لما يُتجه إليه، فلا مشي سريع يتنافى والوقار ولا بطء كالمتماوت عن أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا} البخاري.
كانوا يخرجون للصلاة بعد الأذان فإذا سمعوا الإقامة استعجلوا إما مشيا سريعا أو هرولة رغبة في ألا تفوتهم تكبيرة الإحرام ولا غيرها، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستعجال لما فيه من خروج عن الآداب العامة فإنك لو دخلت مجلسا فيه والدك ينتظرك أو كبير من كبراء مجتمعك وقد وقف لاستقبالك فإنك ستبادر إليه ولكن بمشي يوحي بحبك وعنايتك باللقاء ولا يخرجك عن حدود الآداب العامة فلن تركض ولن تهرول ولن تسير ببطء وإنما تحث الخطى وتظهر الاهتمام ومشاعر الفرحة باللقاء.
كثيرا ما نسمع من الداخل للمسجد حالتين:
الأولى: إما أن يدخل وهو يعلم أن الركوع لن يفوته فيمشي بهدوء زائد وقد يكمل حديثه مع صاحبه او تقليب هاتفه وهذا أمر خطير لأنه يُخشى أن يكون تعمدا لترك قراءة الفاتحة التي قال عنها عليه الصلاة والسلام: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ} البخاري. وعند عامة اهل العلم أنها إحدى واجبات الصلاة بالنسبة للمأموم بينما هي ركن للإمام والمنفرد.
الثانية: أن يدخل للمسجد والإمام قد ركع فتسمع هرولة ونحنحة ليشعر الإمام برغبته في إدراك الركوع ففي هذا العمل عدة محاذير منها وهو أهمها أن في هذا مخالفة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمشي بسكينة،
ومنها أن المستعجل ليدرك ركوع الإمام لاستعجاله وحرصه على إدراك الركعة قد يكبر تكبيرة الإحرام وهو منحي للركوع فيكون قد ارتكب خطأ فادحا لأن أداء تكبيرة الإحرام في غير قيام يعد إخلالا بالركن الأول في الصلاة وهو أن يكبر تكبيرة الإحرام قائما حين القدرة عليه وهذا يعني ترك ركن تبطل الصلاة بتركه،
ومنها أن سرعة الخطى فوق المعتاد مهما كانت الصحة واللياقة البدنية سينتج عنه تسارع النفس مما يعيق الخشوع وإدراك معاني الألفاظ ولو للحظات.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا قَالَ أَبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ قَالَ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ} النسائي وأحمد وصححه الألباني. وإطالة الركوع انتظارا للداخل للمسجد الحريص على إدراك الركوع أولى من إطالته لأجل لهو صبي صغير، وهذه رسالة للأئمة إذا شعرتم بأحد دخل المسجد وأنتم راكعون فتريثوا كي يدرك الركعة بدون أن يضر ذلك بالمصلين.
فإذا قدمت المسجد فامش بسكينة حتى ولو أقيمت الصلاة
وإن دخلت والإمام راكع أو ساجد أو جالس أو قائم فأدخل معه مباشرة بدون إضاعة وقت ولا انتظار قيامه من سجوده،
قف في الصف وكبّر قائما مستويا حتى ولو كان هو ساجدا أو جالسا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ} الترمذي وصححه الألباني.
قَالَ الترمذي وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ فَلْيَسْجُدْ وَلَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إِذَا فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الْإِمَامِ فلَعَلَّهُ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي تِلْكَ السَّجْدَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ.
أقول هذا لمن يأتي للمسجد متأخرا ثم ينتظر الإمام أن يرفع من سجوده فكأنه مستكثر على نفسه سجدة لا تحسب من صلاته وهو لا يدري أنها قد تكون خيرا له من كثير من أعماله.
من الآداب في الصلاة العناية بالأماكن الفاضلة فبحسب المكان تكون أولويات تنزل الرحمات، أفضل مكان هو ما كان خلف الإمام مباشرة لأنه بداية الصف ثم جهة اليمين ثم جهة اليسار الأقرب فالأقرب والأيسر القريب افضل من الأيمن البعيد ولا بأس أن يكون الأكثرية جهة اليمين ما لم يحصل تفاوت في الصف يخل بتوسط الإمام ولا يصح أن يُشرع في صف جديد والأول لم يكتمل بعد.
والصغار إن قدموا مبكرين وسابقوا للمكان الأفضل فلا يصح إبعادهم لأنهم صغار ولا مبرر لكبير السن ان يبعدهم لأنه كبير السن والمفترض أن نربيهم على المسابقة نحو الخيرات لا التسبب في إحباطهم.
ومن الآداب الأذكار الشرعية فدعاء الخروج من المنزل والذكر في الطريق ودعاء دخول المسجد والتلاوة والدعاء حين انتظار الإقامة والأذكار بعد الصلاة فما أوصى بها الحبيب عليه الصلاة والسلام إلا لعظم فضلها عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً} مسلم. وبقية الأذكار المعروفة التي ما كان عليه الصلاة والسلام يتركها حتى في السفر. ويجب الحذر من كل ما ينافي التعظيم للموقف كالتثاؤب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ} البخاري. وتعديل غطاء الرأس والثوب ونفض ما قد يعلق به أولى بالترك والمدافعة من التثاؤب.
عن أَبَي قَتَادَةَ قال بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ وَيُعِيدُهَا إِذَا قَامَ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا}النسائي وأبو داود وصححه الألباني.
والهاتف إن رنّ أولى بالإغلاق من حمل الأطفال، وكل حركة يقوم بها المصلي لمصلحة خشوعه وخشوع الآخرين في الصلاة جائزة فلا يكون المصلي كالتمثال لا يتحرك مهما كان الحدث مزعجا ولا يكون كالطفل لا يتورع عن حركة تخل بالأدب.
عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا}ابو داود.
تذكروا عباد الله {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
الصلاة هي الخير كله للعباد فمرضاة رب العالمين ورحماته وفضائله وبركاته تتنزل على المصلي في أثناء صلاته بحسب أدبه مع ربه حينها لنلتزم آداب الصلاة نهتم لها ونعتني بها لا ننتظر إقامتها نمشي بسكينة إليها نتم أركانها وواجباتها نتذكر فرحة ربنا بمقدمنا فنذكره سبحانه في الطريق إليها نتطلع لمغفرته ولرحمته ولفضله جل جلاله فنترك الدنيا وأهلها في هذه اللحظات المهمة المباركة. انتبهوا لتكبيرة الإحرام اعتنوا بالسجود حتى ولو لم يحتسب ضمن الصلاة انتبهوا لأهمية الصف الأول والأقرب فالأقرب أتم الله لنا عباداتنا وأقر أعيننا بها حين الوقوف بين يديه جل وعلا لتكون حجة لنا رافعة لمنازلنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد
تعليقات
إرسال تعليق