العقل نعمة وأمانة 17 /5 /1434 هـ جامع منيرة التويجري بالمجمعة
العقل نعمة وأمانة 17 / 5/ 1434 هـ جامع منيرة التويجري بالمجمعة
يؤكد ربنا جل في علاه أنه إنما خلقنا ليبلونا أينا أحسن عملا. خلق سبحانه الموت والحياة ليدرك الناس بأن حياتهم حياة مؤقتة، وأنها مهما طالت فلها حد ستقف عنده، ورحيل أحد بالموت وقدوم جديد بالولادة رسالة لكل منا أن لك فسحة محدود زمنها، عليك أن تُثبت فيها أنك أحسن من غيرك عملا يقول جل في علاه
{وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }هود7
{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }الكهف7
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ }الملك2
وإننا إذا نظرنا للكائنات الحية فإننا لا نجد الإنسان تميز عنها إلا بالعقل، فعقل الإنسان هو أداة تميزه وهو سر تفوقه وهو سبب تحمله أمانة العمل، بالعقل ينجو الإنسان أو يهلك، يفلح أو يضل.
فهذا العقل هو النعمة التي خُص الإنسان بها، وهذا التخصيص لا يعني حق التملك وحرية التصرف بل يعني مضاعفة المسئولية ويعني واجب التنمية له والرقي به.
لقد عظّم الله جلّ جلاله شأن العقل الإنساني وشرّع له ما يحميه وينمّيه وحرم الإساءة للعقل بأي شكل من الأشكال تخديرا له او تعطيلا له أو صرفه عن هدفه الأساس وهو الرقي بالنفس وبالآخرين.
عدّ الإسلام العقل أحد الضرورات الخمس التي لأجلها تستباح المحرمات أيا كانت بما فيها القتل إذا كنت الاستباحة ستحمي العقل وتصونه.
وللعقل حقوق وواجبات، تُختصر في تنميته وتوسيع أفقه، إذ أن العقل يبصر ما لا تبصر العين إذا ما منح حقه وسمح له بالتفكير والتأمل، وحق العقل تغذيته وتنميته بالسياحة الفكرية بالقراءة للكتب ونحوها التي تنقل فكر وعقول الآخرين وبالسماع لأخبار وسير الناجحين وغيرهم لتُستقى العبرة منهم، وأهم مصدر تستقي منه العقول رقيها وتستنير به هو كتاب الله تعالى ثم تلك الكتب التي تجعلك تعيش عصر النبوة وتخالط بفكرك الصحابة وأعني كتب السنة والسيرة النبوية، وأيضا الكتب التاريخية والفقهية والفكرية المختلفة التي تناسب عمرك وعملك وهدفك، والسماع لمن لهم سبق في العمر ولهم دراية بعلوم من سبق. وإن من كفر نعمة العقل ترك القراءة لما فيها من تعطيل للعقل عن مصادر تغذيته وإيقاف مناشطه، ومن الإساءة للعقل المغلّظ في النهي عنها هو إسلام العقل للآخرين وجعلهم يغلّفونه بفكرهم ويسخّرونه لآرائهم فتتحول ملكيته لهم وإدارته بأيديهم وتُحدّ تفكيره حسب رؤاهم ومصالحهم، فلا يمنح العقل مجالا للتفكير والتبصر في العواقب القريبة والبعيدة إلا من خلال ما يأذنون به ويرسمونه.
إذا تعلق الأمر بالعبادة وجَهِلتَ حكما ما وجب عليك أن تسأل عالما معروفا يثق المجتمع فيه ولا عليك مما قد يقال فيه ما دام علما في بلدك قد أذنت له الجهة المعنية بالفتوى. وما أكثر النصوص الشرعية الداعية لإعمال العقل وتحريره من العبودية للآخرين ومثلها النصوص التي تعنّف وتشدد على أولئك الذين عطلوا عقولهم وقدموا عليها آراء وأهواء غيرهم مهما كانوا {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } الحبر: هو الذي يحسن القول ويجيد نظمه ويتقن صياغته وترتيبه وإلقاءه، والراهب هو الذي حمله خوفه من الله على أن يخلص له النية ويجعل حياته وعمله لله فقط، فهؤلاء هم صفوة المجتمع عادة ومع ذلك جعل الله تعالى طاعتهم طاعة عمياء ومخالفة ما ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة عبادة لهم وكفر به سبحانه، وهذا من أبلغ صور التشنيع والتعنيف على تسليم العقل للهوى وللآخرين قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية : فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ وقوله: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} أي ولكن يقول الرسول للناس كونوا ربانيين، قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد: أي حكماء علماء حلماء. أ. هـ
حكماء يدركون عواقب الأمور، علماء بحدود الله وما أوجبه عليهم من نصح وصدق، حلماء لا تستفزهم الأحداث ولا تخرجهم الضغوطات عليهم وطلبات من حولهم عن الحق الذي يجب عليهم تجاه أنفسهم وتجاه مجتمعهم.
يجب أن نعلم من الجرم في حق النفس الإنسانية هو تعطيل العقل والإساءة إليه وإسلامه لألسن وأهواء الآخرين من شياطين الإنس والجن، وأعظم إساءة للفنس حينما يُسلم العقل لمن يهلك الحرث والنسل يقول تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ } فلو كان لهؤلاء عقول يُعمِلونها لما أحلوا قومهم دار البوار أي الخراب والهلاك كما فعل أهل ما يسمى زورا بالربيع العربي.
لقد كان ولا زال العلماء الربانيون يحذّرون من الخروج على الأنظمة القائمة خصوصا الظالمة منها وكانوا يؤكدون على ما جاء في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم البر الرحيم بأمته الذي بيّن لأمته كل شيء قد تحتاجه ومن ذلك التعامل مع الأنظمة الفاسدة، فجاء من يضلل الناس ويزين لهم سلوك طريق سلكه آخرون قبلهم وما زادهم إلا بؤسا، فيسلمون عقولهم لمن ساهم في خراب ديار من قبلهم وينساقون خلف ذات الدعايات المضللة التي خربت تلك الديار.
تأمل عبد الله رعاك الله بعث الله تعالى للرسل ودعوته الناس للتفكر وحلمه سبحانه على العصاة علّهم يرجعون، ومن هنا نعرف من له حق التوجيه لعقولنا فهو ينصح ويعلم ويصبر ويدعو للتفكير فيما قاله هو أولا ويذّكرهم بعواقب من سلك الطريق الذي هو يزينه لهم.
العقول نعمة ومسئولية تنمى بالقراءة وبالاطلاع على أخبار الأمم الحاضرة والسابقة والتفكير في أسباب نجاحهم وهلاكهم ومن ثم اختيار الطريق المناسب الذي يرشد إليه العقل لا الذي يميل إليه الهوى.
كل منا يدّعي شخصية مستقلة وعقلا مكتملا فليظهر ذلك جليا واضحا في ما يصدر منا من قول وعمل، فلا نتحدث إلا بما نعلمه حقا وذو منفعة مباشرة لنا أو للمُخاطب، ولا ننقل فكرا ولا رأيا لمجرد ثقتنا في قائله، كما لا نسفّه قولا بسبب موقفنا من قائله.
سل نفسك كل يوم ماذا كسب عقلي من علم وخبرة؟ وماذا فاته؟ وبسبب أي شيء كسب وخسر؟ واسع لتلافي ما تكره في الغد. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وجنبنا أهل الزيغ والضلال واجعلنا هداة مهتدين واعنا على شكر نعمك علينا واغفر اللهم لمعلمينا وأئمتنا ولمن تفضل علينا بالنصح والتوجيه لنا وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد
اللهم وارض عن صحابة نبيك كما رضيت صحبتهم وانتقم اللهم ممن سبهم وتنقصهم وارض ربنا عن سائر التابعين إلى يوم الدين اللهم وخصنا ووالدينا ووالديهم وذرياتهم وأزواجنا وسائر أحبتنا بمرضاة منك تغنينا بها عمن سواك، ترفع بها منازلنا في الدنيا وفي جناتك جنات النعيم. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
تعليقات
إرسال تعليق